Feeds:
تدوينات
تعليقات

Archive for 30 يوليو, 2009

أخ عزيز يشرفنى كثيرا بزياراته و يثرى عقلى بتعليقاته المسهبة التى تكشف قدرا كبيرا من الثقافة و المعرفة .. و قد إختار ألا يكشف إسمه الحقيقى و إستخدم بدلا منه التوقيع بإسم “مصطفى محمود” .. و لأن تعليقه على تدوينتى الأخيرة بالغ الأهمية فى حد ذاته فقد رأيت أن أعيد نشره هنا مع إجابتى عليه و ذلك أولا لأنى أعرف أن كثيرين يفوتون قراءة التعليقات و هذا تعليق لا ينبغى تفويته و ثانيا لأن فى تعليقه إشارات لما كنت أنوى فى الأساس أن أستطرد للحديث فيه و بذلك وفر لى إرتباطا ملائما يسمح لى بالإنتقال بالحديث إلى مرحلته التالية ..

سانقل هنا نص تعليق الأخ “مصطفى محمود” كاملا و لكن فى أجزاء مع إجابة تتعلق بكل جزء و من يرد أن يقرأ التعليق دون مقاطعة و هذا أمر اوصى به أن يعود إليه فى قسم التعليقات فى التدوينة السابقة..

اولا : دعنا نتفق ان لكل عصر ادواته ومقوماته وفلسفته الخاصة جدا , وبما اننا نعيش مجازا في عصر ثورة المعلومات او ما يعرف بعالم المعرفة وارهاصات ما بعد الحداثة , فمن الطبيعي ان يكون الشكل مختلف تماما عن السابق , ومن هذا نستخلص الاتي :
-ان انعكاس سمات اي عصر علي العلوم الاجتماعية التي ترصد وتنظم وتراقب حركة البشر علي وجه الارض ومنها علم الاقتصاد هو امر ضروري ومقبول .

-وكما قيل في السابق اينما وجدت الطاقة وجدت الحضارة , مياه – رياح – شمس – نار في الحضارات القديمة , فحم – نفط – غاز في الحضارات الحالية , فان في عصر المعرفة اصبحت المعلومة ووسائل الاتصال طاقة فعالة وقوة لها وزنها الذي يفوق اعتي الاسلحة العسكرية في بعض الاحيان

إلى هنا لا أميل إلى الإختلاف معك كثيرا .. أو بمعنى أصح سأضطر لاحقا إلى الإختلاف مع المقدمات من حيث إستخدامها فى إخراج النتائج .. ففى السطور السابقة تبدو المقدمات حيادية و لا يوجد مجال كبير للخلاف معها..

-بما ان كل عصر له سماته الاجتماعية الغالبة , فان هذا العصر يتميز بفردية تكاد تكون عبثية الي حد كبير ولعل المدونات احدي فرازتها ( مع احترامي), وبما ان الاقتصاد هو انعكاس للنشاط الاجتماعي وطبيعة العلاقات في مجتمع , فلا بد ان يوجد اقتصاد معين باليات تتوافق مع تلك النشاطات وباليات تتوافق مع تلبية احتياجات هذ النشاط الفردي المطرد …….. وان يتسع مفهوم الاشياء وخصوصا في القطاعات الخدمية في تنويعات مختلفة وطبقات متعددة .

حسنا .. عندما تحدثت فى الفقرة السابقة عن إنعكاس سمات أى عصر على العلوم الإجتماعية كان هذا تمهيدا للقول بأن “الإقتصاد” هو إنعكاس للنشاط الإجتماعى .. وهذه سيدى العزيز مغالطة غريبة .. نحن جميعا نعرف أنه ثمة فارق بين الشيئ و العلم الموكل بدراسته و لذلك فالإقتصاد Economy شيئ و علم الإقتصاد Economics شيئ آخر علما بأن الثانى يقوم بدراسة الأول .. و فى حين أن علم الإقتصاد هو إنعكاس للنشاط الإجتماعى (مع تحفظ أوضحه لاحقا) فالإقتصاد هو نشاط إجتماعى فى حد ذاته و ربما يكون أهم الأنشطة الإجتماعية على الإطلاق .. فمنذ لحظة إستيقاظك فى الصباح تفتح صنبور المياه و يبدأ عدادها فى إحتساب كمية إضافية من “الإستهلاك” ستترجم إلى رقم إضافى فى فاتورة المياه فى نهاية الشهر .. الإقتصاد متداخل فى كل فعل يومى نقوم به و هو لذلك مؤثر أول فى تطور أنشطتنا الإجتماعية و هو أصلا ما يصنع شكل حياتنا اليومية .. لقد عاش البشر آلافا من السنين دون تطور حقيقى كبير فى نظم حياتهم اليومية حتى ترجمت إحتياجاتهم المتزايدة شكلا جديدا من التجارة ضغط فى سبيل تطوير تقنيات الملاحة البحرية فظهرت تجارة أعالى البحار و بدأت عملية إستكشاف العالم القديم و الجديد فبدأت حياة البشر تتغير بمعدلات تتسارع كل يوم .. و لولا تطور التجارة لما ظهرت الحاجة إلى وفرة الإنتاج و لما إستدعى ذلك التطور التكنولوجى الذى جعل الثورة الصناعية ممكنة .. و بشكل أوضح كانت الثورة الصناعية “مطلبا” و “ضرورة” إقتصادية و كان تطوير إستخدام طاقة البخار “إستجابة” لهذه الضرورة..

ما أريد التأكيد عليه هو أننا فى القرون الخمسة الماضية على أقل تقدير كنا نعيش فى عالم يشكله لنا تطور آليات الإقتصاد و الفاعل الرئيسى فى هذه الآليات هو النظام الرأسمالى فهو قاطرة التغيير و ليس إستجابة للتغيير كما كان فى نشأته الأولى..

-وعودة الي فلسفة عصرنا الحالي الذي بالتاكيد افرز مجموعه من القيم الحاكمة التي يتحرك البشر من خلالها – فبالنظر للفكر الاشتراكي وفلسفته نجد ان تلك الفلسفة انعكست تماما علي المقدرات الاقتصادية لتلك المجتمعات مثل القطاع العام وملكية الدولة والعدل والمساواة التي ساوت بين ارقي العلماء والاطباء ….الخ وبين اصحاب ادني ادني الاعمال دون النظر الي كفاءة او خبرة او مهارة …..فاذا كانت الراسمالية قد حولت البشر الي سلع مختلفة القيمة والثمن فان الاشتراكية او الشيوعية جعلت من الانسان ترسا مصمتا في الة ضخمة تتغذي علي السذاجة .

لا أدرى إن كنت هنا أيضا تقول بأن “فلسفة عصرنا” هى عامل يتطور بذاتها ثم يفرز قيمه الحاكمة أم أنك ستتفق معى فى أن فلسفة عصرنا إنما هى إنعكاس للطريقة التى نمارس بها حياتنا اليومية.. و أظنك تعنى نوعا من الفلسفة الشعبية و ليس الفلسفة كمجال دراسة نظرية .. و فى الحالتين الفلسفة هى إنعكاس لطبيعة الحياة التى يعيشها المجتمع و إن كانت كغيرها تسهم أيضا فى تغيير المجتمع عندما تتحول إلى أيديولوجيا يتبناها البشر .. على الرغم من أننا اليوم فى عصر إختفت فيه تقريبا النظم الأيديولوجية الكبرى التى ميزت نهاية القرن التاسع عشر و أحدثت أثرها الكبير طوال النصف الأول من القرن الماضى..

و من أهم الأيديولوجيات بالطبع الإشتراكية و الشيوعية و قد نشأتا كرد فعل للرأسمالية .. و فى وقتنا الحالى لا يمكنك أن تجد مجتمعا إشتراكيا صرفا .. و فى الواقع تتسرب الرأسمالية إلى أى مجتمع حتى و إن تبنى بوضوح أيديولوجية معادية لها .. و هكذا سقط الإتحاد السوفيتى و سقط سور برلين و ظهر فى اليوم ذاته أبناء الطبقة العاملة من برلين الشرقية فى طوابير طويلة أمام ماكدونالدز و كنتاكى فى برلين الغربية! .. و لا أظن أنهم فعلوا ذلك بدافع الجوع ..

– فكرة ان الانسان حاليا يقاس بمقدار ما يملك من سلع اراها قولا مغلوطا ….. لانه هذا الامر خاضع تماما لمنظومة القيم داخل المجتمعات , فلا اتصور احدا من سكان الجبال في تورابورا او التبت سيزداد وجاهه وقيمة بنوع الهاتف الذي يحمله

لقد ذكرت هنا فكرة شديدة الأهمية و هى إعتقادك أن قياس مقدار الإنسان هو أمر خاضع لمنظومة القيم داخل المجتمع .. و هذا أمر صحيح .. و لكن هل منظومة القيم ثابتة لا تتغير؟ .. فإذا كانت تتغير فما هى عوامل تغييرها؟ .. ألا تغير أساليب حياتنا اليومية و ما تحدثه من تعديل لتصوراتنا نحو الآخر و الذات من قيمنا و منظومتها أو حتى من الطريقة التى نرى بها هذه القيم؟ .. فى الواقع هذه هى تحديدا النقطة التى كنت أنوى الحديث تفصيلا عنها فى تدوينتى التالية و أشكر لك أنك ذكرتها هنا .. فالآن لا أحتاج إلى التمهيد لها بمقدمة طويلة ..

بالنسبة لسكان تورا بورا و التبت .. بالتأكيد لم يكن يوما كل سكان العالم متأثرون بنفس القدر بالتحولات الكبرى فى العالم .. فعندما بدأت الثورة الصناعية مثلا لم يتأثر بها بشكل مباشر سوى نسبة ضئيلة من سكلن العالم و لكن أثرها إمتد إلى كل أنحاء العالم مع الوقت و حتى اليوم هناك أناس لم يتأثروا يوما بالتطور الصناعى فى حينه و لكنهم يتلقون تأثيرات الموجات الجديدة للرأسمالية .. و لابد أن ندرك أن تأثيرات التحولات الكبرى لا تصل بنفس الشكل إلى كل الناس .. فقد تصل إليك فى شكل لاب توب جديد و تصل إلى ساكنى جبال تورا بورا على هيئة قنبلة عنقودية..

– لقد اسقطت من حساباتك اهم ركائز علم الاقتصاد السياسي ولجاءت فقط الي الاقتصاد من الناحية الحسابية الكمية دون النظر لعوامل القوة والموقع والثروة والتراكم الحضاري للمجتمعات , علي الرغم من انها عوامل فارقة في تصنيف والحكم علي اي اقتصاد ومدي طبيعته والياته

أنا لم أسقط ركائز علم الإقتصاد السياسى من حساباتى و لكنى لم أتعرض لها أصلا فالإقتصاد السياسى بنية علوية تتأثر بالإقتصاد و تؤثر فيه و لكن يمكن بالتأكيد فى حدود دراسة معينة ألا تتعرض لها و إلا لما أمكن أن تضع كتابا فى الإقتصاد و كتابا آخر فى الإقتصاد السياسى .. العوامل التى ذكرتها فيما عدا الموقع هى إنعكاسات للتطور الإقتصادى ولذلك فهى تدل عليه و تستخدم لقياس قوته ..

-كذلك اخالفك الراي ان فكرة الائتمان قد خلقت وهما يؤدي الي الكارثة, ولكني اري ان الاوهام تسبق كثيرا فكرة النقود والقوة الشرائية وليس العكس …. فالنقود هي اداة من ادوات الوهم لا من تصنعه , وكمثال علي ذلك دول الخليج النفطية بكل ثرواتها وعائداتها النقدية الهائلة الفعلية والمحققة لم تستطع ان تقيم اقتصادا واعدا بل علي العكس تحولت الي سوق استهلاكي بشع …….. فالامر مرهون بمدي تطور المجتمعات وليس بمقدار التدفقات النقدية او الموجدات الفعلية الداخلة في عملية الانتاج .

الإئتمان يا عزيزى قصة طويلة .. و أراك ساويت بينه و بين النقود و لكنه تطوير لفكرة النقود و ليس مجرد بديل لها على الإطلاق .. النقود قامت بتجريد التعاملات التبادلية فكانت أداة لتيسير التبادل التجارى و لكنها بذلك خلقت مفهوم السلعة لأول مرة فى التاريخ .. فعندما تبادل منتجا بآخر فهما ليسا سلعا و لكن عندما تعرض منتجا للبيع مقابل النقود التى يمكن أن تشترى أى منتج آخر فكلاهما سلعة .. و قوى العرض و الطلب فى السوق لم يكن من الممكن أن تعملا بكامل قوتهما دون وجود النقود .. البنوك هى المؤسسات التى نشأت نتيجة الحاجة إلى تجميع النقود بشكل يسمح بإقراضها بأرقام كبيرة لتغطية إحتياجات العمليات التجارية الضخمة أو إحتياجات خزائن الدول للإنفاق على جيوشها و حروبها التوسعية .. مع تطور البنوك أصبح هناك حاجة إلى جذب أكبر قدر من نقود الناس إليها و فكرة الإئتمان قائمة على إستبقاء المال فى البنك مع إستعماله فى الوقت نفسه.. و بدلا من تدوير كمية كبيرة من النقود فى السوق تظل دائما فيه و يصل قدر يسير منها إلى البنوك على شكل إدخار فإن الإئتمان يستبدل هذه النقود بكارت و تبقى النقود فى البنك بينما تنتقل من حساب لآخر .. و هذا يعنى أن أموالا أكثر تتاح لإقراض الرأسماليين لتمويل إستثماراتهم و دفع الإنتاج أكثر و فى المقابل تتاح للناس فرصة الشراء بما يفوق مالديهم من أموال أصلا.. و بدلا من الإهتمام بإدخار الأموال يهتمون أكثر بالسلع التى لم يعودوا فى حاجة مباشرة للمال حتى يحصلوا عليها .. فى الواقع أصبح العمل يتحول بشكل مباشر إلى سلع دون المرور بمرحلة الأجر النقدى..

أراك أيضا تصر على إعتبار بعض العوامل مبدئية و كأنها تنشأ من فراغ .. فالوهم ليس طبيعة إنسانية إلا فى حالته المطلقة .. و لكن وهم الرفاهية المتعلقة بمراكمة السلع هو وهم تخلقه السلع ذاتها و إلا من أين يأتى .. هل تظن أن رجل البادية القديم إضجع على ظهره يتأمل النجوم و تمنى لو أن لديه تليفزيون أو ثلاجة؟ .. مجتمعات الخليج تطورت تطورا إستهلاكيا لأن الرغبة الجامحة فى الحصول على السلع و تحقيق الرفاهية سبقت بمراحل أى رغبة فى التنمية و بناء إقتصاد صناعى .. دول الخليج تحديدا نموذج يثبت مقولاتى و لا ينفيها..

الخلاصة : اراك تنقد عصر جديد بمقاييس عصر قديم وتستبدل قفصا جديد بقفص قديم ……لانه ياعزيزي هنالك دائما قفص حتي وان اختلفت مكوناته من ذهب او فضة ………الخ , فالانسان كائن خاضع دائما للتقييم وان اختلفت العصور من الكهوف الي القصور , وان كان بامكانه ان يتمرد من حين الي اخر …….. فالانسان يعيش محاصرا مابين استهلاك مطلوب وانتاج ملح ….. ولكن الاليات تختلف من عصر الي اخر وبمقدار تطور ووعي الافراد والمجتمعات ….. فاذا قارنت بين المجمعات الاستهلاكية في النظم الاشتراكية والمولات والهايبر ماركت في النظم الراسمالية لوجدت ملامح القفص في كلتا الحالتين , بل اكاد اجزم ان هنالك اسواق قائمة في هذه اللحظة لا تختلف عن اسواق وجدت قبل الميلاد كان يباع فيها الجواري والعبيد ….. ولا تنسي انك محاصر دائما ما بين استهلاك وانتاج , بل ان اول افعالك في هذه الحياة كانت الاستهلاك , فلولا ما تستهلكه من هواء في شهيق هادئ وماتنتجه من زفير حار لفقدت كل معاني الحياة

الإنسان محاصر بين إستهلاك بعضه مطلوب و كثير منه مختلق .. يختلف ذلك من طبقة لأخرى و من مجتمع لآخر و لكنه ظاهرة تتسع مع الوقت .. أما الإنتاج فبعضه ملح طالما كان الطلب القادر على الشراء موجودا فمثلا هناك ملايين المصابين بالإيدز فى أفريقيا لا تنتج شركات الأدوية لهم دواءا لأنه لا قدرة لديهم على دفع ثمنه .. الطلب موجود و حقيقى و لكنه لم يولد إنتاجا لأنه لا يعد بربح .. دافع الإنتاج الرأسمالى هو الربح و الربح فقط.. ولذلك يغفل الإنتاج الرأسمالى حاجة قائمة و طلبا متزايدا و لكنه يعمد إلى خلق حاجة وهمية و طلبا غير مبرر لإستنزاف مزيد من المال لدى من يملكه.. لا أرى حقيقة أوضح من تلك و يمكن مراكمة الدلائل عليها حتى تملأ مجلدات لا تنتهى..

أسواقنا اليوم لا تشبه بأى حال الأسواق القديمة .. نعم كان البشر يباعون كرقيق و لكن رقهم للسلعة اليوم يختلف إختلافا هائلا .. فى الزمن الماضى كنت حرا و الرق عارض .. اليوم الرق لا فرار منه فلا يمكنك العيش خارج المجتمع و لا يمكنك أن تعيش فيه دون أن تستعبد لحاجتك ثم تخضع أكثر فتستعبد بأحلامك و أوهامك التى تختلق إختلاقا و تفرض عليك رغما عنك .. و لا سبيل إلى مقارنة إستهلاك السلعة بإستهلاك الهواء فى الزمن القديم و لكننا اليوم حتى ما نتنفسه من هواء ندفع له ثمنا .. إما ندفع لعلاج آثار تلوثه على صحتنا أو ندفع بشكل غير مباشر تكاليف تفرضها قوانين البيئة على المصانع الملوثة فترفع بدورها أثمان سلعها.. لا شيئ اليوم مجانى .. لا شيئ على الإطلاق..

وهنالك مقولة لاوسكار وايلد الذي توفي عام 1900 :
نحن اصبحنا في عصر يعرف فيه الناس ثمن كل شئ ولا يعرفون قيمة اي شئ .

اخيرا : اعتذر عن الاطالة واختلافي الدائم معك …….. ولكن كل مقصدي هو اثراء النقاش والحوار
مصطفي محمود
وشكرا

عبارة وايلد خير ختام لهذه المناقشة و أراها تتفق مع ما أقول .. أما إطالتك فتسعدنى لأنها تضيف و تثرى و ليست حشوا بلا طائل و إختلافك معى سيدى لا يفسد لودنا قضية قتقبل شكرى و تقبل منى كل الود..

Read Full Post »

يقال دائما و بإلحاح شديد و بقدر عال من اليقين أننا نعيش عصر ثورة المعلومات .. و فى إعتقادى أننا إنما نعيش مرحلة ثالثة من مراحل تطور الرأسمالية .. حيث كانت الثورة التجارية هى مرحلتها الأولى و الثورة الصناعية هى مرحلتها الثانية .. أما ثورة المعلومات فليست إلا ثورة الإعلانات ..

فى الإقتصاد الكلاسيكى يبدأ دارسى الإقتصاد بمفهوم الندرة .. هذا المفهوم مؤداه أن نمو الإنتاج يحفزه إحتياج بشرى ينمو بإطراد فى مقابل موارد و سلع محدودة .. و فى واقعنا الحالى .. ليس هذا صحيحا على الإطلاق فمعدل إنتاج السلع إنما يدفعه الرغبة فى تعظيم الأرباح بشكل مستمر و بالتالى فإن الآلية عكسية و بدلا من أن يدفع نمو الطلب عجلة الإنتاج فإن نمو الإنتاج يخلق حاجة إلى خلق طلب يستوعب المزيد من السلع .. هنا ظهرت الحاجة الأولية إلى الإعلان و هو شيئ يختلف عن التسويق .. فالتسويق معنى بلفت إنتباه من يحتاج سلعة ما إلى مزايا أحد بدائل تلك السلعة .. أما الإعلان فهو خلق طلب لم يكن موجودا على سلعة موجوده فعلا..

فى الإقتصاد الكلاسيكى أيضا أن نمو الإنتاج يؤدى إلى تصاعد المنافسة و يتبع ذلك هبوط الأسعار بشكل يخرج عددا من المتنافسين إلى خارج السوق و تزداد البطالة ثم يسقط الإقتصاد فى أزمة كساد.. هكذا كانت دورة الأزمة التى أصابت الإقتصاد العالمى فى ثلاثينيات القرن الماضى .. و ربما يظن البعض أنها هى ذات الدورة التى أدت إلى الأزمة المالية العالمية الحالية .. و لكن الواقع أن السوق اليوم ليس هو ذات السوق و أزماته تختلف و لو إلى حد ما .. و ما حدث فعليا هو تحايل طويل على القاعدة الكلاسيكية .. فنمو الإنتاج لم يؤدى إلى منافسة على سوق موجودة بل ظل يطرد فى سوق يتم خلقها صناعيا .. و كلمة السر فى ذلك هى الإئتمان .. و الإئتمان يعنى بشكل عام أن تستخدم أموالا لا تملكها لشراء سلع ليس بإمكانك شراؤها .. و بالنسبة لمجتمع كامل يتعامل بكروت الإئتمان فإن المحصلة النهائية هى قدرة شرائية غير محدودة و قدر هائل من الطلب ينتظر فقط من يخبره أى سلعة عليه أن يطلبها .. بقول آخر كان هذا فجر مرحلة جديدة تنطلق فيها وكالات الإعلان إلى توسع غير محدود لأعمالها.. هذه هى ثورة الإعلانات..

فى مقدمة كتابه “الرأسمالية” .. يتحدث جورج ريزمان عن جلوسه أمام حاسبه الآلى ينظر إليه بإمعان بينما يبدأ تشغيله و لسان حاله يقول : “هاهى ذى تلك الآلة الرائعة و القوية للغاية.. إنها حليفى فى عملى الذى أقوم به .. و هى تجعل هذا العمل أكثر سهولة و أكثر متعة” .. و يمضى ريزمان قائلا: ” بالنسبة لى ككاتب فإن الحاسب الشخصى هو الأعظم بين كل السلع المميزة التى تمدنا بها الرأسمالية و هو يتفوق حتى على السيارة فى جعله حياتنا أسهل و أكثر متعة..

فى بقية مقدمته و بينما يحدثنا ريزمان عن تطوره العقلى و رحلته فى البحث عن سبيل لتقديم أفضل دفاع ممكن عن الرأسمالية .. يؤكد أنه عاد إلى أقدم منظرى الإقتصاد و وجد فى أفكارهم ضالته .. و لكنى فى الواقع أشك كثيرا فى أن آدم سميث مثلا كان يمكن أن ينظر إلى سلعة ما بهذا الوله الذى ينظر به ريزمان إلى حاسبه بل أغلب الظن أن سميث ربما رأى فى تعلق أى منا بأشيائه ظاهرة غريبة و لا توحى برجاحة العقل .. بإختصار إن الرأسمالية التى يتحدث عنها ريزمان تختلف عن تلك التى رصد سميث بداياتها الأولى فى السوق و عبر عن قوى العرض و الطلب فيه بتعبير “اليد الخفية” .. و المؤكد أنها أيضا تختلف عن الرأسمالية التى تحدث عنها ماركس و التى تمحورت حول قوة العمل و عملية الإنتاج .. رأسمالية اليوم تتمحور حول قوة السلعة و عملية الإعلان!..

فى الواقع يتمحور عالمنا كله حول السلع .. سواء فى ذلك العالم الرأسمالى بشكل معلن و ناضج أو فى العالم الرأسمالى بشكل غير معلن و شبه ناضج مثل الصين أو حتى فى عالم الدول النامية التى تعيش عصر رأسمالية السلعة و الإعلان دون إنتاج أصلا! .. و هنا أيضا تبدو تقديرات ماركس و نبوءاته خاطئة .. فليس صحيحا أن الرأسمالية تمر بمراحل تطورها ذاتها فى كل مكان بل إنها قادرة دائما أن تصدر أحدث صورها دفعة واحدة إلى حيث لم تكن موجودة أو كان وجودها محدودا و شديد البدائية.. و لذلك يمكن لمجتمع متخلف كمجتمعنا أن يعيش رأسمالية السلع و الإعلان بينما لا يوجد فيه إلا آثار لا قيمة لها من رأسمالية الإنتاج.. بل إن آثار رأسمالية الإنتاج فى مجتمعنا تتضاءل و تندثر لحساب رأسمالية السلع! ..

فى عالم السلع و التعلق الذى يبلغ الوله نتجه جميعا إلى تقييم الناس بما يملكونه من سلع .. فقد مضى ذلك العهد الذى كان فيه المثل المصرى “معاك قرش ..تسوى قرش” صادقا .. لأن القرش غير المستخدم فى شراء سلعة لا يحقق لك الوجاهة الإجتماعية التى تحققها لك سلعة تشتريها بالتقسيط .. بمعنى أنك حتى لا تملك ثمنها!

النجاح فى عصرنا الحالى يتعلق بما يمكنك أن تتباهى به من سلع تملكها و هو أمر يستخدمه الإعلان و يغذيه فى الوقت نفسه .. فبطل الإعلان شخص ناجح يستحق حيازة السلعة التى يروج لها أو أن تلك السلعة ذاتها تحقق له نجاحا غير متوقع له .. و كثيرا ما يكون النجاح الذى يشير إليه الإعلان هو حيازة سلعة أخرى – إعجاب إمرأة جميلة أو شاب وسيم – أو حتى الجنس العابر (ثمة مجموعة من إعلانات عطر الرجال آكس تشمل الفكرتين) ..

أبطال الإعلانات فى الواقع هم النماذج المثالية للإنسان فى عصرنا .. حتى لو نفى بعضنا هذه الفكرة بإشمئزاز .. و هم أيضا يعيشون الحياة المثالية التى هى ببساطة العيش وسط عدد كبير من السلع البراقة و أن تكون أنت نفسك موضع الإعجاب دون هدف واضح .. فالفتاة الجميلة التى تعبر الشارع فى أحد الإعلانات و تميل معها رؤوس الرجال لن يؤدى إعجاب هؤلاء بها إلى قصة حب أو حتى علاقة جنسية عابرة مع أحدهم .. إنه إعجاب مجرد دون هدف يتعلق بموضوع الإعجاب .. فى الواقع هو نفس نوع الإعجاب بصورة السلعة فى لوحة إعلان.. فأنت لن تمد يدك لتستخدم السلعة فى الإعلان نفسه.. و لذلك فالمثال الأعلى لنا الذى تقدمه لنا الإعلانات ليسوا بشرا بل إنهم ليسوا حتى سلعا بل إعلانات عن سلع .. إعلان داخل إعلان .. نتمنى أن نكون أحدهما لنعيش الآخر.. و سعينا هذا لا يتوقف عند الرغبة فى شراء السلعة المعلن عنها لنتشبه بأبطال الإعلان و لكنه يتخطى ذلك إلى الرغبة فى تحقيق بقية الصفات أو المواصفات الجسدية للبطل أو البطلة و ننتقل بذلك إلى مجال إستهلاك نظم التخسيس و مستحضراته ..

لنقول ذلك بعبارة أخرى .. نحن لا نقيم أنفسنا و بعضنا بعضا بما نملكه من سلع فقط .. بل إننا نسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أن نصبح سلعة أو حتى إعلانا أو نكتفى أحيانا بتمنى ذلك .. و حيث أنه سواء سعينا أو تمنينا فقط فإن تحقيق الهدف مستحيل بالنسبة لمعظمنا فإننا ننتهى دائما إلى تدنى كبير فى تقدير الذات ..!

إلى جانب تقييم الذات و الآخر بما نملك و يملك من سلع نعمد كثيرا و ربما طول الوقت إلى تقييم أنفسنا كسلعة و لا نجد غضاضة فى تسويق أنفسنا فى سوق العمل أو فى سوق الحب أو سوق الزواج أو سوق العلاقات بشتى صورها.. لأن العلاقات هى أحد صور تجميع السلع التى هى فى تلك الحالة أشخاص آخرون يمكننا مبادلة معرفتنا بهم بمصالح ننتفع بها .. و ليس مستغربا اليوم أن يسعى أحدنا إلى تعلم مهارات تسويق الذات .. و ينبغى أن نكون واضحين فى أن تلك المهارات لا تتعلق بمهنة أو كفاءة أو جهد أو أى شيئ من هذا القبيل فهى عامة و صالحة لكل الناس كسلع يمكن الترويج لها و ما سوى ذلك ليس إلا متغيرات و مواصفات للسلعة تماما كما أن مواصفات السيارة تختلف عن مواصفات الثلاجة و لكن مهارات تسويقهما واحدة .. و إحتياج كل منا إلى تعلم مهارات تسويق الذات يعنى أن مهنته و كفاءته و إخلاصه فى العمل فى إطار عملية الترويج هذه تصبح سلعا يحاول بيعها بأعلى سعر .. فليس أنك قد أصبحت فى ذاتك سلعة بل إنك قفص من السلع التى يتم الترويج لها .. و حيث أن محتويات القفص تتواجد فى أقفاص أخرى و لكن بكميات مختلفة و أن القيمة الكلية لك تتحدد بكم يمكن أن يدفع الزبون فى مجموعة السلع التى تتكون منها فلا يوجد أى قيمة لك أنت نفسك بمعزل عن محتوياتك هذه .. فحتى كقفص يتم تقديمك (فوق البيعة)!!

Read Full Post »

أعتقد أن كل منكم قد سبق أن شاهد حلقة واحدة على الأقل من حلقات برنامج مصارعة الديوك الشهير بالإتجاه المعاكس و الذى يقدمه على شاشة الجزيرة الإعلامى فيصل القاسم .. و أتمنى لو أن أحد من يتابعون البرنامج يذكر لى مرة كان أثر مشاهدته له أن خرج بتحول فى رأيه بخصوص القضية المثارة .. بالنسبة لى فقد بدأت مشاهدة أى حلقة تابعتها بإنحياز ما إلى أحد وجهتى النظر و فى كافة الأحوال خرجت بقرف عظيم من طرفى الحوار .. فدائما يكون ممثل وجهة النظر التى أميل إليها بالغ التطرف بحيث لا يمثل بأى حال فكرتى عن الموضوع و على الجانب الآخر للطاولة يمثل وجهة النظر الأخرى شخص يعبر عن أسوأ ما قد نفرنى فيها من الأساس بحيث أشعر بأن التصالح مع رأيه أو التفاهم معه على نقطة إلتقاء هو أمر مستحيل .. و فى الحالات التى يكون لى فيها إطلاع على القضية يجعلنى على علم بأبعادها لدى الطرفين أخرج بثقة كاملة فى أن كلا المتحدثين قد فشل فشلا ذريعا فى تقديم وجهة النظر الحقيقية الممثلة لتياره بشكل يمكن لمن لا علم له بها أن يكون فكرة ما و لو ضئيلة عن حقيقة مقولات هذا التيار عن القضية..

ليس هذا البرنامج على هذه القناة بالذات هو ما يعانى من تلك النواقص .. فى الواقع كل ما يقدمه لنا الإعلام المرئى من برامج التوك شو هو سلسلة متصلة من الفشل فى تقديم أى فكرة مثيرة للإهتمام .. و إذا ما إستسلم أحدنا إلى ما يتلقاه من خلال هذه البرامج و ظنه تعبيرا صادقا عن مواقف الناس و التيارات الفكرية و السياسية من القضايا المناقشة فسينتهى به المطاف إلى تعصب أكبر لما كان مقتنعا به مسبقا و كراهية أعمق لكل فكر و تيار مخالف..

و مرة أخرى ليست برامج التوك شو وحدها و ليس الإعلام المرئى وحده هما المختصان بوجبات الأفكار السريعة التى تعد على عجل و تؤكل على الواقف و تسبب من عسر الهضم العقلى ثم من الأمراض العقلية المزمنة ما لاعد له و لا حصر ..

للإعلام المرئى ريادة فى هذا المجال و أعنى به مجال نقل الإستهلاكية إلى عالم الأفكار و القضايا الجماهيرية .. ولكنه فى النهاية واحد من حلقات سلسلة طويلة تكرس فى مجموعها لثقافة الإستهلاك .. و ثقافة الإستهلاك هى نمط من المعيشة يعتمد على تحويل كل شيئ و أى شيئ إلى سلعة يمكن تسويقها و إستهلاكها بكميات ضخمة و هى أيضا نمط من الحياة ينتج المستهلك نفسه الذى يمكن فيما بعد تسويق كل سلعة له .. هذا المستهلك يسمى فى مصطلحات الإعلام و الإعلان “رجل الشارع” .. و هو مصطلح يراد الإيهام بأنه يسمى أناسا كانوا موجودين عبر كل عصر سابق إلا أنهم قد أهملوا و قمعت تطلعاتهم و أحلامهم و تجاهلهم التاريخ و لكن فى عصرنا الجديد السعيد عصر الديموقراطية و حكم الشعوب أصبح رجل الشارع هو الشخصية الأهم و هو الذى تخطب الشركات و مؤسسات الإعلام و الإعلان و رجال السياسة وده و يسوق له كل منهم منتجه على أمل أن يختاره و يفضله على غيره .. و فى هذا الإطار فإن حرية رجل الشارع التى حصل عليها أخيرا بعد قرون من الإستعباد هى حرية إختيار السلعة التى تروق له من بين ما يسوق له من ملايين السلع..

واقع الأمر انه لم يكن ثمة شيئ فيما مضى يشبه رجل الشارع الذى تتحدث عنه وكالات الإعلان .. لقد كان هناك دائما ملايين البسطاء فى العالم و لكنهم كانوا متمايزين من مكان لمكان و كان لكل منهم شخصيته الخاصة به و عاداته و تقاليده و بمعنى أشمل كان لكل منهم نمط معيشته و ثقافته.. أنماط المعيشة المختلفة هذه كانت تعنى أن إحتياجات الناس اليومية كانت مختلفة من مكان إلى آخر و أساليبهم فى تحقيق هذه الإحتياجات كانت مختلفة و متنوعة حتى إذا كانت الحاجات متشابهة .. الناس كانوا يرتدون ثيابا تختلف بشكل واسع ليس من بلد لآخر فحسب بل من إقليم لآخر داخل البلد ذاته رغم أن المفترض فى الثياب أن تؤدى الوظيفة ذاتها و لكن مع تنوعها أصبحت أنماط الملابس علامة ثقافية على من يرتديها تميزه عن غيره.. الأمر نفسه إنطبق على انواع المأكل و المشرب و أدوات المعيشة اليومية و أدوات التنقل إلخ .. لم يكن فى أى عصر مضى رجل شارع يمكن أن تسوق له ملايين أحذية المشى من طراز واحد لأن كل إنسان فى مكانه كانت له عادات المشى الخاصة به و المتوافقة مع عشرات العوامل التى تميز بيئته و ثقافته عن غيرها..

و لكن رجل الشارع كان ضرورة لابد من إختراعها حتى يستمر نمط الإنتاج الصناعى الحديث فى النمو دون حدود .. فمع الثورة الصناعية بدأت قيود إنتاج السلع بكميات ضخمة تسقط شريطة أن تكون السلع المنتجة نمطية .. و لكن مع أن من الممكن أن تنتج عددا غير محدود من القطع لسلعة ما فإنك لا تستطيع بيع إلا ما يغطى الطلب عليها .. و هذا يعنى أنه عند نقطة ما سيتوقف نمو إنتاج سلعة بتشبع الأسواق بها و بالتالى تنهار أسعارها و يدخل منتجوها فى صراع شرس حول السوق المحدود المتاح لتسويقها .. و الحل هو أنه بدلا من تسويق السلعة لمن يطلبها فعليك أن تخلق الطلب ذاته و أن تخلق هذا الشخص المهيأ لطلب سلعتك .. و بما أن إستهلاك الناس للسلع يرتبط بنمط معيشتهم فعليك أن تصدر نمط معيشتك إلى الآخرين فعندها سيطلبون نفس السلع ..

هكذا ظهر رجل الشارع إلى الوجود .. إنه الشخص الذى يشترى موبيل نوكيا رغم أنه لا يحتاجه و يرتدى تى شيرت لاكوست أصلى أو تقليد و يضع نظارات ريبان صنع بلادها أو ضرب الصين.. و هو أحد الذين تزاحموا على أول فروع ماكدونالد فى القاهرة عند إفتتاحه منذ سنوات كما أنه العائد من العمرة بعشرة سجاجيد صلاة و عشر سبح صينية كهدايا للأهل و الأصدقاء..

مازالت هناك سلع لا تصنع لرجل الشارع هذا و إن كانت تداعب آماله و طموحاته و ربما يتمكن من الحصول على تقليد جيد لأحدها .. فحذاء جوتشى أو حقيبة برادا أو ساعة سويسرية يدوية الصنع هى سلع من نوع خاص و غلاء ثمنها لا يعكس إختلافا فى القيمة الإستعمالية لأى منها كما لا يعكس الفرق الحقيقى فى تكلفة إنتاجها.. و لو أنك سألت أحدهم لماذا أنفق آلافا لشراء بدلته الإيطالية فسيقول “إنها إيطالية” فإذا ألححت عليه بالسؤال فلن يجد ما يقوله سوى أنها إيطالية و هذا يكفى و لولا أنك جاهل لفهمته.. و ربما تقتنع بجهلك عندما ترى الآخرون يشيعون صاحبك بنظرات الإعجاب فقط عندما يعرفون أن بدلته إيطالية أصلية!! ..

إن ماكينة الإعلان الهائلة تصوغ عقلية رجل الشارع بين متناقضين .. الوفرة لتلك السلعة التى تقول له أنه يحتاجها و لا غنى له عنها .. و الندرة لتلك السلعة ذات القيمة المبهمة و التى تتخطى الوظيفة و الجودة لتكون أيقونة و علامة مميزة لهؤلاء الصفوة من الناس الذين يختلفون عن الآخرين .. بمعنى أصح إنهم الذين إرتفعوا فوق مستوى رجل الشارع ..

و هكذا فأنت رجل الشارع الذى تحدده السلع التى يشتريها و يتطلع إلى الإرتفاع إلى مكانة أعلى تحددها سلع أخرى و فى النهاية أنت = ما تشترى = ما بجيبك من مال = ما تكسبه..

هذا هو رجل الشارع الذى أنتجته آلة الإعلان لصالح الرأسمالية .. و لكن الرأسمالية لا تنتج و تسوق سلعا نرتديها و نتحرك بها و نأكلها فقط .. الرأسمالية تسعى إلى تحويل كل نشاط إنسانى إلى سلعة يمكن إنتاجها بوفرة و بيعها للملايين أو تحجيم كميتها و تسويقها للصفوة مقابل الملايين..

الكتب و الصحف بالطبع سلع و تسويقها يعتمد على جذب المشترى إلى محتواها .. ربما .. و لكن وفق القاعدة المجربة الأفضل أن تصنع الطلب أو أن تستجيب له .. و لقد صنعت آلة الإعلان ملايين النسخ من رجل الشارع و كل ما تحتاجه هو أن تقدم لرجل الشارع هذا ما يريده وفق ما دربته آله الإعلان على أن يريده .. و هنا يمكننا أن نلمح دائرة إنتاج هامة .. فرجل الشارع هو ذاته سلعة تم تصنيعها للوفاء بطلب الإنتاج الصناعى لمتصرف لسلعه ثم أصبح بالإمكان تسويقه لكل مجال تطمح الرأسمالية إلى إخضاعه لقوانينها بحيث يصبح مصدرا جديدا لأرباحها..

حتى تبيع أكثر لرجل الشارع عليك أن تنتج سلعة تشبه ما تم تدريبه على إستهلاكه .. براق يجذب العين.. يشبع الرغبات الأساسية التى يشترك فيها الناس جميعا و يداعب مواطن لذتهم الأساسية و فيه إثارة التوابل الحريفة و المفاجأة غير المتوقعة و أقل ما يمكن من المحتوى الأصلى .. أفضل نموذج هو ساندوتش الهامبرجر.. توابل و حلقات بصل و طماطم و مخلل و خس و رقائق من الجبن و أقل ما يمكن من اللحم .. يمكنك أن تأكله بسرعة جالسا أو واقفا أو بينما تقود سيارتك و هو عملى و جيد لهذا السبب لأن ما تعلمه لنا الرأسمالية هو أن الوقت هو أثمن شيئ .. تحديدا لأن الوقت الذى نمضيه فى العمل هو ما تستهلكه الرأسمالية لإنتاج أرباحها.. الوقت ثمين و ضيق و لا ينبغى إضاعة ساعات طويلة منه فى قراءة كتاب ممل و الأفضل أن تستمع إليه على شريط أو إم بى ثرى بلاير بينما تقود سيارتك و أفضل من ذلك أن تستمع إلى ملخص له فى برنامج إذاعى أو أن تشاهد حوارا حوله فى المساء على شاشة التليفزيون بينما تتناول عشاءا أعد على عجل من محتويات عدد من الصفائح المعدنية..

كلنا قد تم تنميطنا بقدر أو بآخر فى قالب رجل الشارع .. و اليوم ليس رجل الشارع هو المتلقى و المستهلك فقط بل هو المرسل و المنتج أيضا .. نمط معيشته تحكمه فكرة السوق و التسويق و تلقيه للمعرفة ثم إعادة طرحها للآخرين يحكمها الحساب الدقيق للعائد من ساعات العمل و ساعات المشاهدة .. و على الرغم من أن مخترعى رجل الشارع قد صنعوه بسيطا و نمطيا إلا أن جوانب و تجليات ظاهرته أكثر من أن نحيط بها فى عجالة و لذلك فسوف أترك الحديث عن المزيد من تاريخ صناعة رجل الشارع و مظاهر ثقافته الجديدة لتدوينات تالية خاصة و أن موعد مسلسلى المفضل قد حان و لابد لى من تناول عشائى بينما إشاهده.. .. ..

Read Full Post »

مسعد أبو فجر .. نبت الأرض الطيبة التى باركها الله و رسمت أقدام الأنبياء على صفحة رمالها سبل السماء و توضأت بدماء الشهداء .. سيناء الحرة التى لم يدنس قلوب أبنائها يوما ذل الهزيمة فعاشوا أحرارا رغم ظل الإحتلال .. فلما تحولت الشمس تؤذن بالغروب وقت الزوال إستبدل ظل بظل و لكن وطأة ظلم الأخ الشقيق تشق على القلب أكثر من قسوة العدو الغريب..

مسعد أبو فجر .. صوت صارخ بالبرية “ودنا نعيش” .. لا أكثر .. لم يطلب أهل سيناء أكثر من العيش الكريم الذى هم الأحق به و قد حفظوا لهذا البلد كرامته و صانوا شرفه و لم يدنسوه بخطيئة الخيانة .. “ودنا نعيش” كان لسان حال أبناء رفح و قد طفح الكيل و لم يعد من سبيل إلا الإنتفاض غضبا و الإنفجار ألما .. و بدا أنه لن تنطفى النار إلا بقطع اللسان و إحتباس الصوت فغيب مسعد فى السجون .. حاكوا له تهما فأسقطت ثم إخترعوا أخرى فلحقت بالأولى و لم يعد أمامهم إلا سبيل الخروج على القانون فإستصدروا له قرارات الإعتقال يفتلون الواحد فى ذيل سابقه .. ثلاثة عشر قرار و تسعة عشر شهرا أمضاها مسعد تتقاذفه عربة الترحيلات من سجن لسجن.. تصدر المحاكم قرارها بالإفراج الفورى عنه فتطوى قراراتها بتجديد الإعتقال قبل أن يجف مداد صحيفة الحكم.. و فى كل مرة تتعلق أبصار و قلوب من يرجون أن يرفع عن كاهلهم الدين الذى يزداد فى أعناقهم ثقلا مع كل يوم جديد يدفع فيه مسعد عنهم ثمن الحرية فى محبسه.. و فى كل مرة تتساقط أوراق القضاء من ذراها الشامخة تتلاعب بها رياح الخريف التى تنخر آخر ما بقى واقفا على الأرض الخراب التى كانت يوما مكسوة بخضرة الحياة لما كانت فى عروق نباتها دماء لم يحل لونه و يستحيل ماءا مراقا لوجوه كسيرة..

كتب أخوة لمسعد من أرض الشهداء بيانا يطالبون فيه لهم و لنا بالتحرر من العجز وراء قضبان محبسه الذى هو فيه أكثر حرية منا و لكننا إلى التحرر من الذنب أشد حاجة .. أدعوكم إلى قراءة البيان و توقيعه بالتعليق فهلموا إلى أضعف الإيمان..

بيان من شعراء وأدباء ومثقفي سيناء لإطلاق سراح مسعد أبو فجر

“We want to live” behind bars!

تحديث : تكرمت الأخت العزيزة و السيدة الفاضلة زوجة مسعد أبو فجر بلفت نظرى إلى خطأ فادح إرتكبته و هو ذكر إسم مدونة و حركة مسعد على أنه “بدنا نعيش” بدلا من الإسم الحقيقى باللهجة السيناوية و هو “ودنا نعيش” .. أنا أعتذر كثيرا عن خطأى غير المقصود و قد بادرت بتصحيحه و أشكر لها زيارة هذه المدونة و أكرر الدعوة لكل من يقرأ كلماتى بالتضامن مع مسعد فى محنته و لو بمجرد التوقيع على البيان المطالب بالإفراج عنه.. و أدعو الله تعالى أن يعيد مسعد قريبا إلى أحضان أهله و إلى إبنته الجميلة “رناد”..

Read Full Post »

هذه بالتأكيد ليست المرة الأولى التى تسمع فيها تعبيرا يشير إلى تمايز بين مجتمعين داخل بلدنا يصل فى حدته إلى أن يبدوا كل مجتمع منهما و كأنه ينتمى إلى بلد مختلف أشد الإختلاف عن ذلك الذى ينتمى إليه الآخر .. مستخدموا تعبيرات كهذه سيحدثونك عن هذه المسافة البعيدة الفاصلة بين قاطنى المجمعات السكنية المغلقة الجديدة التى تكاثرت حول المدن الجديدة خارج القاهرة و بين ساكنى أكواخ الصفيح و المقابر و غيرها من عشوائيات داخل و خارج القاهرة ذاتها ..

واقع الأمر أن ظاهرة التفاوت الحاد بين من يملك كثيرا و من لا يملك شيئا ليست ظاهرة مصرية و لا تقتصر على دول ذلك العالم الثالث الذى ننتمى إليه .. الحقيقة أن ذلك التفاوت موجود فى أكثر الدول ثراءا مثل الولايات المتحدة الأمريكية و موجود حتى فى ذلك العدد القليل من دول العالم التى تقول أنها نجحت فى القضاء على الفقر و هى تحديدا بعض الدول الإسكندنافية..

التفاوت بين الثراء الفاحش و الفقر المدقع أحد خواص الرأسمالية .. و إستمرار ذلك التفاوت و تناميه هو خصيصة أخرى للنظام الإقتصادى ذاته .. قد تختلف درجة الفقر بل قد يختفى الفقر ذاته و لكن التفاوت يبقى قائما و نزح الأموال فى إتجاه واحد من أسفل إلى أعلى يبقى متواصلا..

فى النهاية يمكنك أن ترى ذلك التفاوت و كأنه يقسم المجتمع الواحد إلى إثنين تختلف أساليب معيشتهما اليومية إلى حد أن يبدو لكل منهما ثقافة جزئية خاصة به .. جزئية بمعنى أن المجتمع ككل يظل واحدا فى ثقافة عامة مشتركة و يبقى تفاعل أطرافه متواصلا بحيث لا يكون تعبير البلدين داخل بلد أكثر من صورة مجازية..

لذلك لست ممن يعتقدون أن حكامنا قد إستوردوا لنا الرأسمالية الطليقة المتوحشة لتطبيقها فى بلادنا .. و ما أراهم يطبقونه ليس رأسمالية و لا يندرج تحت أى أيديولوجية بل هو يفتقد إلى أى خلفية من الأفكار أو الإستراتيجيات العامة .. و بالتالى فإن بلدنا ينفرد بوضع خاص به بين بلدان العالم و ليس إنقسامه إلى مجتمعين و بلدين مجرد صورة مجازية فى رأيي و إعتقادى..

فى مصر بلدان يكادان ينفصلا عن بعضهما تماما .. و هما بلدان لا يفرقهما الخط الفاصل بين الثراء الفاحش و مادونه بل إنهما بلدين لكل منهما أثرياؤه و فقراؤه مع تفاوت مابين أثرياء الأول و أثرياء الثانى و بين فقراء الأول و فقراء الثانى .. هما بلدان لكل منهما نظامه الإقتصادى الخاص به و يتم التبادل بين الإقتصادين بشكل يشبه تبادل الدول المختلفة للسلع فيما بينها و لكن يبقى أن قوانين بلد لا تسرى و لا تؤثر فى إقتصاد بلد آخر إلا بقدر ما تؤدى إلى تزايد أو تناقص التبادل فيما بينهما..

فى مصر إقتصاد مواز هو إقتصاد غير رسمى .. العاملون به لا يدفعون ضرائب و لا يحصلون على خدمات فأبناءهم لا يتعلمون و هم لا يزورون المستشفيات إلا إذا دهستهم أحد سيارات البلد الشقيق أو إحترقوا فى أحد القطارات الخاصة ببلدهم هم و لا ينفق البلد الشقيق على صيانتها أو تطويرها شيئا بالطبع لأنها ليست تابعة له!.. و هم غالبا لا يحصلون على الكهرباء أو المياه النقية و إن وصلت إليهم كتفضل من البلد الشقيق فيسرى عليها ما يسرى على القطارات .. فلا صيانة أو تجديد و لذلك فالكهرباء إن وجدت مجازا غابت أغلب الوقت و المياه إن لم تكن مقطوعة بالفعل فهى مخلوطة بالمخلفات الآدمية من الصرف الصحى الخاص بالبلد الشقيق حيث أنهم عادة لا صرف صحى لهم..

أبناء مصر العليا ليسوا جميعهم أثرياء .. فى الواقع غالبيتهم من الفقراء و لكنهم موظفون و عمال لهم أجور و لبعضهم (مليونين تحديدا) تأمينات ومعاش بعد عمر طويل .. أبناؤهم يدخلون المدارس و يتلقون دروسا خصوصية و لكنهم لا يتعلمون و لذلك تتوجه عناية حكومة مصر العليا إلى نشر الوعى بين مواطنيها هؤلاء بأن يتجهوا إلى تعليم أبناءهم ما يؤهلهم لدخول سوق العمل .. لاحظ أن ذلك لا علاقة له مطلقا بسكان مصر السفلى فحكومة مصر العليا بالطبع لا علاقة لها بهم و هم لا يدخلون أبناءهم إلى المدارس أصلا و بالتالى ففكرة إعدادهم لسوق العمل (الخاص بمصر العليا) ليست واردة بالنسبة لهم ..

هذا لا يعنى أن مصر العليا لا تستورد عمالة وافدة من مصر السفلى .. على العكس من ذلك فتحويلات العمالة الوافدة من أبناء مصر السفلى فى مشروعات مصر العليا مصدر رئيسى للدخل .. و الغالبية الساحقة من هذه العمالة المتدنية المهارة و الأجر تعمل فى مجال التشييد و البناء و هو أحد أكثر القطاعات الإقتصادية نجاحا فى مصر العليا .. و يتحكم فى عمالة مصر الدنيا فى هذا القطاع مقاولوا أنفار يشبهون الكفيل فى دول الخليج يتقاولون على توريد عدد منهم إلى مقاولى البناء حسب إحتياجات مشروعاتهم..

لا تنفصل مصر الدنيا عن شقيقتها العليا إقتصاديا فقط بل يمتد الفصل إلى كل شيئ تقريبا .. فلمصر العليا إعلامها الخاص بها.. و ليس للسفلى إعلام يتحدث عنها و إليها .. فإعلام مصر العليا مهموم أكثر بسكانها .. فهو يهتم كثيرا بالثانوية العامة و تنسيق الجامعات وهما حدثان لهما أهمية بالغة فى مصر العليا و لا يعرف أهل مصر السفلى عنهما الكثير .. و هو يقدم مسلسلات عن معاناة فقراء مصر العليا و عن أزمات أثريائها و الصراع أحيانا بين الفريقين و هو أيضا يقدم برامج إخبارية عن قضايا داخلية و خارجية تهم أبناء مصر العليا بشكل خاص و أحيانا يقدم نماذج صادمة لأحوال أبناء مصر السفلى البلد الشقيق فيكون لذلك أثر بالغ فى نفوس مواطنى مصر العليا و تتملكهم الشفقة و الإندهاش الشديد أن مثل هؤلاء يعيشون حقا عبر شريط قطار أو فى نهاية جسر على النيل هما كل ما يفصلهم عن المشاهدين!!.. و للسينما فى مصر العليا أيضا دور مشابه فى صدمة مشاهديها بالحديث عن ذلك البلد الغريب الذى هو مصر السفلى .. و سوف تجد مخرجى و أبطال الأفلام الصادمة هذه يظهرون على شاشة التليفزيونات و يقسمون أنهم قد رأوا مواطنى مصر السفلى رأى العين و أنهم حقا يعيشون كما يصورهم الفيلم بل إن واقعهم أسوأ و لكن المخرج لم يحب الإثقال على مشاهديه أكثر..

هناك تنمية إقتصادية فى مصر العليا .. و يقدر الخبراء أن نسبة النمو الإقتصادى بلغت 7% فى المتوسط طوال السنوات الخمس الماضية و رغم ذلك فإن آثار هذا النمو لم تصل إلى فقراء مصر العليا الذين أدى التضخم المستمر إلى إفقارهم بشكل مطرد .. و لكن الخبراء أكدوا أن البلد يحتاج إلى إستمرار فى النمو بالنسبة ذاتها لفترة 10 إلى 15 عام أخرى قبل أن يشعر الفقراء بآثار هذا النمو .. ليس هذا هو حال مصر السفلى .. فنمو مصر العليا لن تصل آثاره إلى شقيقتها و ذلك لأن إقتصاد الأولى منفصل عن الثانية و يتجه إلى توسيع هذا الإنفصال أكثر فأكثر ..

النمو فى مصر العليا يصب معظم إستثماراته فى القطاعات الخدمية و الإستهلاكية .. و تنمو تلك القطاعات من خلال العمل على تغيير النمط الإستهلاكى لمواطنى مصر العليا .. بحيث يتجهون إلى الشراء من المجمعات الإستهلاكية الضخمة و يقبلون على السلع الغذائية المغلفة و المستوردة و بذلك ينسحب هؤلاء الذين إعتادوا التعامل مع السوق غير الرسمى لمنتجات مصر السفلى و تتجه مصروفاتهم إلى تمويل شركات مصر العليا التى توظف أبناءهم!

الإستثمارات فى مصر العليا تتجه بكليتها إلى قطاعات كثيفة التمويل منخفضة العمالة .. و يقول لنا أحد أساطين الصناعة المصرية الذى فارق الحياة منذ زمن قصير و لكن حكمته باقية و يتبناها رجال الأعمال الذين قالوا عنه أن التراب يتحول فى يديه إلى ذهب .. يقول الرجل : لماذا أستثمر فى صناعة السيارات و ما حاجتى إليها مادمت أستطيع أن أحقق ربحا مضاعفا من الإستثمار فى صناعة البرمجيات؟ .. لا تعقيب لمثلى على صحة هذا الرأى من وجهة نظر المستثمر لأمواله .. و النموذج هنا لصناعة كثيفة التمويل منخفضة العمالة و بالتالى تتكلف فرصة العمل التى تخلقها كثيرا و هى موجهة لذوى المهارات العليا .. قطاعات الخدمات كشركات الإتصالات و البنوك وشركات الإستثمار العقارى و المكاتب الإستشارية و شركات التعامل فى الأوراق المالية و شركات سلاسل المجمعات الإستهلاكية الكبرى و ما إلى ذلك جميعها تخلق فرص عمل عالية التكلفة و تتوقع موظفيها من خريجى الجامعات الخاصة و بعض خريجى الجامعات الحكومية ثم يبقى على سائر خريجى هذه الأخيرة أن يعملوا على إكتساب مهارات لم تعلمها لهم كلياتهم حتى يلحقوا بالقليل من الوظائف الباقية ذات الدخل المعقول و من لا يفعل ذلك منهم فهو يتجه إلى الوظائف الأقل مهارة .. هناك أيضا بعض الفرص لخريجى المدارس الفنية التى لحقها التطوير فى برامج المعونات الأجنبية و هؤلاء يجدون مكانا لهم فى المصانع الجديدة التى تحتاج إلى عمالة ماهرة .. و إذا لم يكفوا حاجتها و هو الأمر الحادث فعلا فهى تتجه إلى إستقدام العمالة الماهرة من خارج البلاد (ليس من مصر السفلى بالطبع)..

لا يبدو فى الأفق سبيل إلى توفير فرص للعمالة الوافدة من مصر السفلى .. بل إن تطورات الإقتصاد فى مصر العليا تؤدى إلى هجرة فى الإتجاه المضاد إذ ينضم الآلاف يوميا من مواطنى مصر العليا إلى طابور العاطلين فى مصر السفلى و يحاولون إيجاد عمل لهم فى إطار سوقها غير الرسمى الذى تخطى حد التشبع و أصبحت المنافسة فيه قاسية إلى حد العنف الذى يتساقط ضحاياه يوميا .. لا يجب أن نغفل أيضا أن مزيدا من الجرائم العنيفة أصبح مواطنوا مصر العليا يروحون ضحية لها على أيدى يائسون عبروا شريط السكك الحديدية من مصر السفلى و هى ظاهرة مرشحة للتفاقم..

الحقيقة أن مستقبل العلاقات بين البلدين ليس مبشرا .. فسكان مصر العليا ليسوا مهتمون على الإطلاق بالسعى إلى توحيد البلدين و كثيرون منهم غير مدركين لوجود مصر السفلى فى الأساس .. و لكن هذا يبدو أنه على وشك أن يتغير بأكثر الطرق حدة و عنفا .. فتردى الأمور المستمر و الضغوط المتزايدة التى يتعرض لها مواطنوا مصر السفلى ينذر بأنهم قد يعلنون قريبا حربا مفتوحة ضد بلد الإحتلال المعتدى التى لطالما أذاقتهم ذل الحاجة و هى ماضية فى تجويعهم و تشريدهم و إنزال العسف المستمر بهم .. ثم أن منافذ الحياة قاربت أن تسد جميعها فى وجوههم.. و حينئذ فالحرب ستكون الخيار الوحيد أو لن تكون خيارا فى الأساس بل ضرورة حياة ..

ليس أبناء مصر العليا بمنجاة من المعاناة أو بشكل أوضح فقراء مصر العليا يعانى معظمهم من تدنى دخولهم و من خطر تحولهم إلى لاجئين فى مخيمات مصر السفلى و لكنهم مازالوا متعلقين بوهم النمو الإقتصادى الذى سيحسن أحوالهم (خلال 15 عاما).. و يراهن كل منهم على أنه سيكون من الفرقة الناجية و لكنهم غافلون تماما عن البخار المكتوم فى قدر مصر السفلى الذى يوشك على الإنفجار و الغالب أنهم سيكونون أول ضحاياه.. لقرب المسافة و لأنهم الأقل تمتعا بالغطاء الأمنى مما يجعلهم فى متناول أيدى الطلائع الأولى لجيوش مصر السفلى .. و لكن لن يطول الوقت كثيرا قبل أن تكتسب هذه الجيوش الجرأة الكافية لتخطيهم إلى الغنيمة الأكبر ..

هل بإمكان غالبية أبناء مصر العليا أن يتبينوا حقيقة الموقف الذى هم فيه؟ .. هل يمكنهم التوصل إلى طريق تجنب المصير المظلم و تدارك الأمر قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة التى أصبحت قريبة جدة؟ .. هل يملكون الإرادة لفعل الصواب و تحمل الثمن المطلوب دفعه لإنقاذ مستقبلهم و مستقبل أبنائهم؟ .. أسئلة لا أملك إجابتها فلست إلا عرافا يضرب الرمل و لست حتى أخشى من مصير كاسندرا فهى على الأقل عاشت و هلك مكذبوها بل و رأت هلاك القاتل بعينيها قبل أن تلقى المصير ذاته .. و لكنى مثل كاسندرا أتمنى لو أن ما أراه وهم و أتمنى ألا أكون واثقا من صدقه إلى هذا الحد..

Read Full Post »

حيث إنى بقالى مدة بكتب كلام حزاينى و يثير الكآبة قلت نفكها على السادة متابعى المدونة و نكلمهم فى حاجة فرايحى..

إمبارح أختنا “فنون” .. بعتت عالتويتر تقولنا الأغنية دى حلوة قوى .. دخلت إتفرجت على الأغنية و الصراحة لقيتها حلوة فعلا .. بس طبعا لأنى شخص سايكو و مصاب بالبارانويا و كام فوبيا مش عارف أساميهم لقيت فى فكرة الأغنية حاجة وقفتلى فى زورى .. المهم لقيت أختنا نوارة بتقول لفنون :”الأغنية حلوة قوى يا فنون” .. رحت سائل نوارة سؤال سايكوباتى :”الإغنية دى موجهة لمين بالضبط؟”.. فما كان من نوارة إلا إنها جاوبتنى بإجابة مفحمة :”أنا باحب دنيا” .. و دى إجابة معناها زى مافهمته هو “بلاش كلاكيع .. الأغنية حلوة و دنيا حلوة” ..

أنا طبعا ما عنديش إعتراض على إن دنيا سمير غانم حلوة .. و الأغنية حلوة .. و أحمد مكى حلو .. و الجو جميل و درجة الحرارة 50 درجة جهنمية فى الضل .. مشكلتى بس إن الأغنية متفائلة قوى .. ببساطة كدة الأغنية بتقول إن التفكير الإيجابى و الثقة بالنفس دى مفاتيح النجاح .. و أن كل واحد مننا عنده ميزة و المطلوب إنه يكتشف الميزة دى و يستغلها عشان ينجح ..

كلام زى الفل حقيقى .. مش تريقة .. هو فعلا كلام زى الفل .. و واضح إن أختنا فنون مثلا ماكانتش محتاجة الأغنية دى عشان تقتنع بالكلام ده لأنها لما بدأت أغلس عليها و أحاول خنق تفاؤلها من خلال سوداويتى و حقدى على المتفائلين راحت باعتالى لنك للتدوينة دى .. و من التدوينة دى نقدر نعرف إن فنون متفائلة قديمة و معتادة تفاؤل كمان .. أكتر من كدة لما دعبست شوية فى المدونة بتاعتها اللى هى أكتر من رائعة فعلا لقيت التدوينة دى و هى للشباب الصغير اللى ما يوعاش على فريق الأبا تبقى كلمات أغنية شهيرة للفريق هى “أنا عندى حلم I have a dream” و فى آخر التدوينة لينك للأغنية .. ما تدوسوش عليه لأنه هايجيبلك رسالة بتقولك إن الكليب ده “مش متاح فى بلدك”!!!! .. على العموم أنا جيبت لينك تانى أهوه..

طبعا أنا ما سكتش و فضلت أدعبس فى المدونة لغاية ما لقيت التدوينة دى عن فيلم دكان شحاتة .. قلت بس مفيش أكتر من كده نكد .. طبعا أنا شخصيا الفيلم ما عجبنيش .. علما بإنى ناصرى الهوى .. و الحاجة الوحيدة اللى حبيتها فى الفيلم هى الأغنية اللى بيغنيها أحمد سعد فى أوله.. و واضح إن الأغنية عجبت فنون برضه لأنها نقلت كلماتها كاملة فى التدوينة و قبل كده كنت شفت كليب من العاشرة مساءا لشاعر الوجع المصرى جمال بخيت و هو بيلقى القصيدة .. و نظرا لأنى بيجيلى زهايمر أحيانا فماخدتش بالى و فنون شخصيا اللى لفتت نظرى إن القصيدة هى نفسها أغنية أحمد سعد فى دكان شحاتة ..

المهم .. إيه العلاقة بين أغنية مكى و أغنية الأبا و بين أغنية جمال بخيت و أحمد سعد ؟ .. و لا حاجة طبعا .. و بما إن أغنية جمال بخيت بتعبر بصدق واضح عن واقعنا و مصيرنا المتوقع .. و حيث إن أغنية الأبا “غير متاحة فى بلدك!!” يبقى أغنية مكى خارج السياق .. و بالنسبة لقانون الجاذبية Law of Attraction  فأنا عايز أى حد منكم (راجل مش بنت أنا بقول أهه) .. يروح لواحد من اللى بيدوروا على أكل فى الزبالة تحت الكبرى (اللى غالبا بينام تحتيه) و يكلمه عن إزاى لو كانت أفكاره إيجابية يبقى أكيد هتجذب ليه أحداث إيجابية فى حياته .. و ياريت يبقى فيه حد تانى يروح مع الحد الأولانى و يرجع يقولنا على رد فعل الأخ اللى تحت الكوبرى .. لأننا مش فاضيين نستنى صاحبنا الأولانى عقبال ما يطلع من المستشفى و يرجع يقولنا و ده فى حالة لو الأخ اللى تحت الكوبرى كان ناسى المطوة بتاعته فى الفرشة و إلا يبقى إحنا اللى حانروح نزور صاحبنا و ناخد معانا شريك و كحك .. بس هو طبعا كده هيبقى شهيد الكفاح من أجل نشر رسالة الإيجابية و الأمل بين الناس اللى أكيد متفقين أنهم الأكثر إحتياجا ليها فى بلدنا ..

على فكرة أنا ما بقولش إن فكرة الأغنية أو تفاؤل فنون غلط فى المطلق .. أكيد لأ .. همه بالتأكيد صح .. بس فى الظروف الطبيعية .. و اللى أحب أقولهولكوا إننا مش عايشين فى ظروف طبيعية أو فى بلد طبيعى .. ببساطة مفيش أى حاجة فى حياتنا طبيعية و بالتالى قوانين الحياة (الطبيعية) .. ما تمشيش معانا ..

و قبل ما حد يقولى أولع شمعة بدلا من أن ألعن الظلام فبصراحة أنا شخصيا أفضل إنى ألعن الظلام و أولع فى اللى ضلمها علينا .. لأن طول مامصلحته إنها تفضل ضلمة هيصادر أى شمعة يفكر أى واحد مننا إنه يولعها و متهيألى مش محتاج أكرر عليكو مصائر كل اللى قادوا صوابعهم للبلد دى شمع و مانابهم إلا حرق صوابعهم ..

ما ينفعش نروح نقول للناس يبقوا إيجابيين إذا كانت الإيجابية فى بلدنا و مجتمعنا رجس من عمل الشيطان و مشكوك فى أمرها و دوافعها و مين دافعلها .. ما ينفعش نقول لواحد مش لاقى شغل يجتهد فى العمل .. أو نقوله يدور على أى شغلانة لما كل الشغل فى البلد حكومة و قطاع أعمال و قطاع خاص محجوزة سلفا لناس و طبقات بعينها ..

الخلل يا سادة أعمق و أفدح و التوجه العام هو للأسوأ .. لأن مصالح الحكام لن تتحقق إلا بسياسات نتيجتها الحتمية فقر أفدح و عمل أقل و ده معناه إن فئات واسعة فى البلد ده هيكون ضهرها للحيط بدون أى سبيل للفلفصة أو للخروج .. الناس دى و الأوضاع اللى همه فيها ما يحلهاش إننا نبشر بينهم نظريات عن الإيجابية و بناء الذات و الرضا بالمقسوم .. و ما يحلهاش مشروعات خيرية فى منطقة عشوائية أو حتى عشرة .. إحنا بنتكلم عن ملايين .. بنتكلم عن عشرين مليون مصرى بيعيشوا فى أسرات دخلها اليومى خمسة جنيه أو أقل!!.. و ده مجرد واحد من همومهم لأن منهم اللى أهم عنده ينام مطمن بالليل و لو من غير عشا .. و منهم اللى مش عارف هاينام فين أصلا سواء مطمن و ألا عليه عفريت..

الحل للناس دى و للبلد كلها هو تغيير المسار لأن إتجاهنا الحالى واخدنا على كارثة حقيقية .. و تغيير المسار مالوش حل غير تغيير الكبار .. لأن وجودهم ذاته معتمد على المسار الحالى .. لو فهمنا المعادلة دى يمكن نقدر نعرف إحنا مطلوب نعمل إيه .. و يمكن ساعتها بعد كام سنة من دلوقت يبقى كل واحد فى البلد يسمع أغنية مكى و يحس إن رسالتها تهمه و ممكن يستفيد بيها .. حتى ذلك الحين كل اللى أقدر أقولهولكو عن الأغنية إن دنيا حلوة ..

Read Full Post »

منذ الصباح حملت إلينا الأنباء التى تبثها وكالات و صحف من خلال التويتر أخبارا عن تجمهر 10 آلاف من عمال و أصحاب المحاجر فى المنيا .. والسبب هو أن محافظ المنيا أصدر قرارا برفع القيمة الإيجارية بنسبة 100% و إضافة 20 جنيها على كل ألف طوبة حجرية.. و حسب ما قاله أحد أصحاب المحاجر لليوم السابع فإن قرار المحافظ قد تسبب فى إغلاق 800 محجر! .. المتظاهرون الذين توجهوا من قرية الشرفا إلى ديوان عام المحافظة و أنضم إليهم جمع من الأهالى ثم قاموا بقطع الطريق مطالبين بأن يأتى المحافظ إليهم و يصدر قرارا فوريا بوقف تنفيذ قراره السابق..

الأنباء أصبحت أكثر إزعاجا بعد وقت قصير فقد تحدثت عن إشتباكات عنيفة بين المتظاهرين و بين قوات الأمن التى حاصرتهم مما أسفر عن إصابة 21 شخصا.. و أخيرا نقلت إلينا المصرى اليوم من خلال حسابها على التويتر أن جنديا من جنود الأمن المركزى قد لقى مصرعه خلال الإشتباكات!

لا شك أن مقتل إنسان مصرى .. مجرد جندى بسيط.. فى أحداث كهذه هو أمر يسبب لأى منا غصة شديدة .. و أمر يستدعى السؤال: فى أى شيئ أهدرت حياة هذا الإنسان و الذى أغلب الظن أهدرت مع حياته حياة أسرة بكاملها و عشش فى قلوب أهله حزن ممض أليم ..

و لا يمكن لنا بالطبع أن نلقى اللوم بأى حال على هؤلاء الذين خرجوا يتظاهرون .. فهم ضحايا ظلم كبير فى البداية و هم بالتأكيد الآن ضحايا قمع و عسف غليظين لا يعرفان الرحمة..

و السؤال هو .. كيف توصل معالى السيد الوزير المحافظ أطال الله عمره إلى إتخاذ قراره؟ .. كيف فكر فيه؟ .. أو هل فكر فعلا قبل أن يمهره بإمضائه الكريم؟ .. هل تسائل فى نفسه عن تبعات القرار و إن كان سيتضرر منه أحد؟.. فإن كانت إجابة سؤاله لنفسه لم تعدو رجع الصدى فى عقل خاوى فهل توجه لأحد معاونيه يساله؟ .. فإذا أتته الإجابة المعروفة “اللى تشوفه سعادتك يا فندم”.. ألم يدر بخلده أنها إجابة جاهل لا يعرف الألف و لا الباء و لا يمينه من شماله؟ .. فهل فكر آنسه الله بالعلماء و أنار بصيرته بعلم من عنده فى أن يستدعى أحد ذوى الصلة بالأمر من أصحاب المحاجر ليسأله كيف سيكون أثر القرار عليهم و ماذا سيفعلون إن هم صحوا يوما فسقط على رؤوسهم كأنه أحد تلك الجلاميد التى يقتطعونها من قلب الجبل الذى لطالما كان أحن عليهم من حكامهم الذين أعماهم الجهل و ران على قلوبهم الإهمال و عدم المبالاة بشئون الناس و أرزاقهم المغموسة فى دمائهم؟؟

لن أكرر العبارة التى بليت من كثرة إستعمالها فأقول أنه لو كان هذا بلد يحترم مواطنيه..إلخ .. و لكنى سأقول لو أن حكام هذا البلد لديهم بقية من عقل و لو أنهم يخشون قاصمة تنزل بهم على حين غفلتهم التى يتردون فيها منذ زمن .. لو أنهم يخافون على كراسيهم أن تميد الأرض بها و بهم فليفيقوا و يتدبروا قبل أن يستمرئوا أقوات الجوعى و أرزاق الملصقين بالتراب.. فإنه ليس لهؤلاء من بعدها سبيل و إن هى ذهبت فذهاب أرواحهم بعدها يسير و لكن ثمنه غال..

أقول أقيلوا الرجل أقال الله عثراتكم و تخيروا لمكانه أحد أزلامكم و هم كثر.. فقط تأكدوا أنه لم يعرف عنه أنه يخرج من بيتهم وقد نسى إرتداء ملابسه .. قد يعيكم البحث بين منتسبيكم قليلا و لكن ذلك سيكون لخيركم إن شاء الله .. أما خير هذا البلد و شعبه الصابر فلعل الله أن ييسر إليه سبيلا هو بكل تأكيد لن يكون من خلالكم بل فى الخلاص منكم.. و الله غالب على أمره و هو على كل شيئ قدير..

Read Full Post »

Older Posts »