Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 21 أغسطس, 2009

هل لديك فكرة عن آخر تطورات أحداث العنف فى العراق؟

حسنا لا داعى لأن ترهق عقلك كثيرا .. سأتطوع عنك بالإجابة التى يشترك فيها كثيرون منا : “لقد توقفت عن المتابعة اليومية لحصيلة القتلى و الجرحى فى التفجيرات و العمليات العسكرية .. كل ما أعرفه أن هناك مزيد فى كل يوم .. بعض العمليات تقوم بها حركات المقاومة و تتوجه إلى قوات الإحتلال الأمريكى أو عملائه و البعض الآخر يقوم به حركات ذات أهداف طائفية و يوجهون هجومهم نحو المدنيين فى الأسواق و المساجد و الحسينيات” ..

يقال أننا بطول الوقت و مع تكرار الحوادث المتشابهة قد إعتدنا العنف و نتائجه و لم نعد نهتم به أو ننزعج له .. قد يكون هذا صحيحا و لكن ليس تماما فثمة عامل آخر فى المسألة و هو آلية دفاعية نستخدمها لا شعوريا عندما نصل إلى حد التشبع من المعلومات ذات الأثر السيئ على مشاعرنا و عقولنا فننصرف تلقائيا عن تلقى تلك المعلومات كنوع من حماية الذات من آثارها المدمرة ..

النتيجة واحدة على أى حال .. لقد سقط العراق من قائمة إهتمامات معظمنا اليومية أو أصبح ترتيبه متأخرا جدا على هذه القائمة .. و مع تلك النتيجة تأتى نتائج أخرى و لكنها ربما أكثر خطرا .. فقد إسترحنا إلى توصيف الوضع فى العراق بشكل مبسط إلى درجة إغفال حقيقة الواقع شديد التعقيد و بالتالى فنحن نميل إلى إلصاق بطاقات تعريف عامة بكل حادثة نسمع بها .. فهذه عملية إرهابية و تلك عملية فدائية و هذا هجوم أمريكى وحشى و تلك قرارات خيانية للحكومة العميلة .. إلخ

قد تكون البطاقات العامة هذه صحيحة فى عموميتها و لكنها فى أحيان كثيرة تخفى خصوصية نغفلها رغم خطورة ما تشير إليه .. و حتى لا تطول هذه المقدمة أكثر مما ينبغى دعنا ننظر فى شأن بعض التفجيرات التى هزت مدن العراق فى أعقاب إنسحاب القوات الأمريكية من تلك المدن و تسليمها مهمة تأمينها كاملة إلى قوات الجيش و الأمن العراقيين .. هل تبدو جميع تلك التفجيرات و الحوادث متشابهة و فى إطار سياق واحد دلالته الوحيدة هى فشل الحكومة العراقية فى تحمل مسئولية تأمين المدن العراقية ؟ .. ربما ينبغى أن نتروى قبل الإجابة على هذا السؤال ..

فى مقال بعنوان “لنخرج الآن!” يعطى جاستين رايموندو إهتماما خاصا لأحداث العنف فى شمال شرقى العراق و هى المنطقة التى تشمل كردستان العراق و المناطق المحيطة بها مباشرة .. و هو يتشكك فى صحة تصريحات قوات الإحتلال الأمريكى عن هذه الأحداث و نسبتها إلى عناصر القاعدة العاملة فى العراق .. و لا يصل رايموندو إلى تلك النتيجة من فراغ فهى إنما تأتى فى سياق تحليله لصراع داخلى ذو أهمية كبيرة و يبدو أن مايبدو منه فوق السطح ليس إلا قمة جبل الجليد الذى يهدد بتفجير الموقف فى العراق أكثر كثيرا من أى شيئ شهدناه سابقا!

يشير رايموندو فى بداية مقاله إلى رغبة الحكومة العراقية فى تعديل موعد الإنسحاب النهائى للقوات الأمريكية من العراق و تقريبه إلى ماقبل عام 2011 الذى حددته إدارة أوباما ..

“بدا أن هذا التحرك قد أخذ واشنطن على حين غرة و التوقيت قد لا يكون ثمة ماهو أسوأ منه بالنسبة لإدارة أوباما و بالنسبة للسلام الإقليمى فى المستقبل فى الوقت الذى إزدادت فيه حدة التوتر بين الأكراد و بين الحكومة المركزية فى بغداد حول مدينة كركوك المتنازع عليها”

أظن أنه بتقدير متفائل فإن البعض فقط هم من لم يكن لديهم علم بأن ثمة مدينة و ربما مدنا عراقية متنازع عليها داخل العراق الذى ربما يظنه البعض أيضا موحدا و إن كانت وحدته مهددة .. حسنا فالينفض هذا البعض عنه أوهامه و ليتابع التالى:

“لقد عانى الأكراد لوقت طويل تحت وطأة الحكومة العراقية فى عهد صدام و الآن فى عهد المالكى .. و لكن طوال فترة “منطقة الحظر الجوى” التى فرضتها الولايات المتحدة (فى أعقاب عاصفة الصحراء 1991 و حتى الغزو الأمريكى 2003)، كانوا بحكم الواقع أمة مستقلة .. و منذ الغزو الأمريكى دافعوا بحمية عن هذا الوضع رغم برغم إعتبار أرضهم رسميا مقاطعة أو بتعبير أدق ثلاث محافظات عراقية .. و اليوم يتم إستثارة هذه الحمية الوطنية الكردية بسبب محاولات الحكومة العراقية أن تفرض قرارها على الأكراد بخصوص مسألة تم تأجيل البت فيها لوقت طويل”

“ثمة ثروات بترولية ضخمة حول مدينة كركوك ذات المكانة الخاصة فى قلوب الأكراد .. فهم يعتبرونها (أورشليم) الخاصة بهم و العاصمة الطبيعية للدولة الكردية المستقلة .. و قد تعرضت المدينة لبرنامج (تعريب) طوال سنوات حكم البعث و بعد الغزو ظلت خارج الإقليم التركى و ترك أمر تحديد الوضع النهائى لها للمستقبل .. حسنا لقد حان الوقت و لذا فإن العنصرين الأكثر إثارة للإضطراب فى السياسة و خاصة فى سياق تنوع الشرق الأوسط و هما العاطفة و المال يندمجان لينتجا إنفجارا قد يرسل بالبلاد كلها تتدحرج إلى هاوية الفوضى”

هل بدأ أنفك يلتقط رائحة تواز أو إشارات ذات دلالة .. لقد إخترت متعمدا أن آتى بإسم أورشليم و لا أستبدله بالقدس لأن الكاتب بلا شك كان يعنى أورشليم بما يعنيه و يحمله الإسم من دلالات فى تضاد واضح مع الإشارة إلى عملية (تعريب) كركوك فى العهد البعثى .. لتحتفظ بالفكرة فى رأسك فالآتى أوضح ..

“لقد كان ثمة العديد مما يقترب من وصفه بمواجهات بين الجيش العراقى و قوات البشمرجة الكردية و قد حركت الولايات المتحدة قواتها إلى الشمال تحديدا للحيلولة دون إندلاع مثل هذه المواجهة”

و لكن الحكومة العراقية لا تريد ذلك .. هذا ما يراه الكاتب فليست مطالبة الحكومة العراقية بتعديل موعد الإنسحاب مع إقتراب الإنتخابات متعلقة فقط بالتنافس بين القوى السياسية العراقية للظهور بمظهر الرافض للإحتلال .. ثمة ما هو أكثر من ذلك:

“الدستور العراقى ينص على وجوب إجراء تعديل فيما يخص وضع كركورك التى رغم أنها لم تضم رسميا إلى إقليم كردستان فإن أعدادا كبيرة من قوات البشمرجة تتمركز فيها .. ثمة جدول زمنى محدد و كان من المفترض أن يتم التعديل فى ديسمبر 2007 و لكنه تم تأجيله فقط لأن الحكومة العراقية ليست مستعدة للتخلى عن كركوك و بترولها بسهولة”

“الأكراد على الجانب الآخر لا يقلون تصميما بل أكثر من ذلك هم مستعدون للحرب و هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى زيادة قواتها فى المنطقة”

فى تقريريستشهد به الكاتب للأمريكان ساينس مونيتور حول الإنتخابات التى عقدت مؤخرا فى إقليم كردستان العراق نجد توضيح أكبر لمسألة النزاع الكردى العربى حول كركوك كما نطلع على مواقف قادة أكراد من هذا النزاع:

“توقعوا الحرب!” هكذا يقول خسرو غوران الذى كان نائب حاكم الموصل حتى فقد الكرد سيطرتهم على المحافظة فى آخر إنتخابات محلية هناك و هو يستطرد قائلا “لقد أريقت دماءنا طوال 80 عاما فى سبيل هذه الأرض و نحن لن نستسلم”

و ينقل التقرير عن خسرو أيضا قوله “لو أنه كانت لنا حدود مع دولة محايدة مثل إسرائيل أو أرمينيا أو أوكرانيا لكان ذلك أفضل لنا .. لو أن بننا و بنهم (عرب العراق) محيطا لكان ذلك أفضل لنا”..

هل إسترعت الإشارة إلى إسرائيل إنتباهك؟ .. لا أظنها تضيف جديدا فأغلبنا يعلم أن لإسرائيل أصابع و أياد و أقدام تعبث فى الشأن العراقى و أن مدخلها الأوسع هو كردستان و لكنى أقول لك أن معرفتنا هذه هى أقرب إلى الجهل إذا لم تتخطى العموميات و السطح إلى التفاصيل و العمق .. فالأمر أكبر من الإشارات الدالة أو زلات اللسان المعبرة و لنعد إلى مقال رايموندو فهو لا يتركنا عند مرحلة التخمين مطلقا .. و لنلتقط الخيط من حيث بدأنا أى بتلك التفجيرات و أحداث العنف فى شمال العراق و تحديدا فى محافظة نينوى:

“محافظة نينوى هى منطقة ملتهبة أخرى فى الصراع بين النظام (الشيعى) و بين الأكراد.. التفجيرات الأخيرة فى المحافظة تنسبها الولايات المتحدة إلى القاعدة و لكن ذلك ربما يكون تبسيطا ساذجا.. فبشكل عام لكل طرف من طرفى الصراع الأساسيين – الأكراد و الحكومة الشيعية – أسبابه لبث الإضطراب فى المنطقة و ثمة لاعبون آخرون أيضا .. فبجانب الأقليات التى تعيش فى الإقليم – السريان و الزرادشتيين و التركمان و غيرهم – و التى تعرضت لقمع فظيع من الأكراد ثمة لاعب آخر لا يكاد يتم ذكره فى التقارير الحديثة و هو الإسرائيليون”

يشير الكاتب إلى تقرير قديم يعود إلى عام 2004 لمجلة النيويوركر عن الوجود الإسرائيلى فى كردستان ثم يشير إلى تقرير آخر يعود إلى عام 2006 للبى بى سى عن تدريب إسرائيل لقوات البشمرجة الكردية ثم يقول:

“لقد أستثمروا (الإسرائيليون) الكثير من الأموال و الكثير من العمليات السرية فى كردستان حتى أقاموا تحالفا بحكم الأمر الواقع مع الحكومة الكردية المحلية و ذلك لضمان أنه فى حال ما إذا سقط العراق فى أتون حرب أهلية فإنه سيتم تأمين ما يعتبرونه مصالحهم المشروعة .. و لا يتطلب الأمر كثيرا من التفكير فيما إذا كان الإسرائيليون يعملون على بث الشقاق أو أنهم يتعاونون مع الولايات المتحدة للإبقاء على البناء الفيدرالى العراقى المزعزع .. فبطبيعة الحال يفضل الإسرائيليون أن يروا دولة كردية مستقلة أو على أقل تقدير إقليما كرديا ذو حكم ذاتى فعلى و ليس تحت سيطرة حكومة عراقية فى بغداد على علاقة أوثق مما ينبغى بإيران”

و بعدما يشير الكاتب إلى توتر العلاقات بين إسرائيل و الولايات المتحدة حاليا و هو ما نفهم منه أن إسرائيل أقرب من أى وقت مضى إلى التصرف منفردة دون العودة إلى واشنطن أو إنتظار ضوء أخضر منها يمضى إلى القول:

“فى ظل هذه الظروف فإنه من المتوقع أن تقدم إسرائيل على أى شيئ و هو ما يجعل تنبؤات دبلوماسى تركى بأن تتحول كركوك إلى سراييفو الشرق الأوسط أقرب إلى التحقق بمرور الوقت”

سراييفو لمن نسى هى بالطبع عاصمة البوسنة و الإشارة هى إلى حمام دماء تطهير عرقى يضطر المجتمع الدولى أو بمعنى أصح الولايات المتحدة إلى فرض إستقلال كامل لكردستان العراق كما إنفصلت البوسنة و كرواتيا عن الإتحاد اليوجوسلافى.. و لكن حتى هذا لن يكون النهاية المرضية .. ليس بالنسبة لإسرائيل و ليس بالنسبة للأكراد الذين يحلمون بكردستان الكبرى التى يمكنك أن تراها فى هذه الخريطة .. يمكنك أن تفهم لماذا يهتم مسئول تركى تحديدا بالأمر .. صراع الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستانى معروف و لكن تركيا قد تكون ضحية غير مقصودة لأن إهتمام إسرائيل الأكبر هو بكردستان إيران و سوريا..

ليست هذه هى نظرية المؤامرة .. نحن ننظر إلى وقائع تجرى بالفعل و يبدو أنه لم يعد ثمة ما يحول دون وصولها إلى نهاية حتمية .. و ليس الأمر و كأن طرفا واحدا يعبث و يتلاعب بالجميع لتحقيق أهدافه فكل اللاعبون مساهم فى الأمر و يسعى لمصالحه الخاصة أو ما يظن أن من شأنه تحقيق هذه المصالح .. الحكومة العراقية تسعى للتخلص من القوات الأمريكية بأسرع وقت ممكن ليس حبا فى زوال الإحتلال و لكن لأنها تظن أن تلك القوات هى الحائل الوحيد دون حسم نهائى لحربها الباردة مع الأكراد و لذلك فهذه الحكومة تدفع الأمور فى إتجاه الحرب الأهلية بنفس القدر الذى يدفعها به الأكراد الذين يحلمون بدولة تكون نواة حلمهم بكردستان الكبرى.. و قد يغضب البعض عندما أذكر أن إيران بدورها ليست فى موقف الحياد هنا فلا إستقلال الأكراد حلفاء إسرائيل يرضيها و لا وضعهم الحالى يريحها و من ثم فهى بالتأكيد تشجع أو على الأقل لا تثنى الحكومة العراقية عن عزمها على دفع الأمور إلى الحرب..

أين مصالح العرب و دورهم؟ .. غريب أن تتساءل .. أعنى ألا تسأل نفسك هذا السؤال .. لقد سودت ما يقرب من ثلاث صفحات حتى الآن و لم أذكر العرب إلا كمكون إثنى عراقى و لا أكثر من ذلك و إذا دققت فى الأمر فلن تجد أن من اللاعبين المشار إليهم إلا قسما من العرب العراقيين و هم شيعة العراق و الواضح أنهم و فى ظل العداء الطائفى المستحكم بينهم و بين سنة العراق أقرب إلى إيران منهم إلى أى طرف عربى .. و هذا وضع يميل بكفة الصراع مع الأكراد نحو نهاية التقسيم مما يجعلك تتساءل إن كانت أصابع إسرائيل تعبث فقط فى الشمال الكردى و محيطه أم أنها تمتد إلى غير ذلك من المناطق حيث الإرهاب المتبادل بين السنة و الشيعة .. الهدف واحد .. إستمرار العداء الطائفى يجعل نتيجة الصراع الإثنى أقرب إلى ما تتمناه إسرائيل .. و ليست إسرائيل ممن يتركون مصالحهم رهن الصدفة أو ممن ينتظرون دون حراك آملين أن تتدخل الأقدار فى مصلحتهم .. يبدو أن الصهاينة من أحفاد بنى إسرائيل قد وعوا الدرس القديم و تركوا لغيرهم القول “إذهب و ربك فقاتلا .. إنا هنا قاعدون”.. إقعدوا بالعافية ..

Read Full Post »

بعدما نكدت عليكم و طفشتكم بمجموعة من التدوينات ثقيلة الدم قررت أن أقدح زناد فكرى و أحاول أن أكتب عن أمر مفرح.. فتحت الجرايد (عالنت طبعا) داخلية و خارجية بحثا عن أى خبر كوميدى و لكن أخف الأخبار اللى وقعت عليها كان من نوع الكوميديا السوداء يعنى اللى تخليك تفشخ ضبك و يجيلك كرشة نفس فى ذات نفس اللحظة ..

فكرت إنى أكتب عن موضوع الإستخدام العادل للنت لكن محاولاتى الأولى أسفرت عن كلام يعاقب عليه القانون بخلاف إن التدوينة كانت هتبقى طويلة زيادة و أنا مش عايز أضيع الكام جيجا اللى حيلتى خصوصا إنى بفكر جديا أنقل المدونة للتويتر و أبقى أكتب تدوينات 140 حرف بالكتير..

فكرت برضه أكتب عن الشاب الشجاع بظاظو اللى سأل بسلامته رئيس مجلس الغفرا سؤال محرج عن الفساد فرد عليه كعادته بإجابة محرجة أكتر من السؤال و مش عارف إن كان حد خد باله من إن إجابة أبوقطنة هى الخالق الناطق إجابة سرحان عبد البصير اللى قال:”لو كل واحد ساكنة تحتيه رقاصة عزل.. البلد كلها هتبات فى الشارع” .. المهم ماقدرتش أكتب عن الحكاية دى لأنى كنت بدور على شقة جديدة بدل ما أبات فى الشارع..

من الآخر كده مالقيتش حاجة تنفع و قررت إنى أرزعكم تدوينة سوداء بلون مية المجارى اللى بيرووا بيها الخضار فى دلتا مصر هبة النيل الخالد .. و لكن ربنا أراد أن يعفو عنكم فلايعرضكم لهذا المصير المؤلم ففى آخر لحظة و بعد ما توكلت على الله و حطيت مشبك على أنفى تمهيدا لفتح البكابورت .. قصدى الموضوع .. لقيتلك خبر بينطلى على التويتر أن أبشر يا مواطن و هلم (يعنى تعالى) و شمر و إستعد (هوه أنا كنت لابس شورت و فانلة لا مؤاخذة كت فمعرفتش أشمر بس إستعديت الحقيقة) .. إيه فين ليه ؟.. قالك ننوس عين ست الكل و إبن طويييييييييييل العمر قرر إنه يتعطف و يتكرم و يتنازل و ينحدر من علياء عظمة اللى خلفوه و يتصدق على السفلة و الرعاع من حرافيش المقروصة مصر المفروسة المحروثة بفرصة التملى بطلعته البهية و نيل شرف الحضرة السنية من خلال جلسة حوار إفتراضية على الشبكة الأخطبوطية (هى عنكبوتية عند الخواجات بس فى بلاد العرب لها دراعات فيها مجسات تراك و ساعة الجد تجيبك من قفاك) ..

طبعا إستبشرت خيرا و قلت هاقد فرجت من وسع .. ده كده ولا إكتشاف فيلم قديم لإسماعيل ياسين ماحدش شافو قبل كده .. هوه فيه أخف و لا ألطف من دم دلوعة الباب العالى الغالى بن الغالى .. و عنها و رحت رامى المشبك و أخدت نفس عميق من وصلة الشيشة الأربعة حجر فى الثانية اللى الواد بعرة صبى القهوة اللى عالناصية معديهالى من ورا معلمه .. و بدأت أحلم ببحور الحكمة اللى هيفيض بيها علينا تاج العارفين بالليبرالية و اللى هنفضل نبلبط فيها سنتين قدام .. و مع توالى الأنفاس كبس على عينى النعاس و أنا متبت على اللى فى إيدى ..

معرفش رحت فى النوم و ألا الحجر كان مغمس .. و معرفش إن كنت فقت و ألا لسه مسطول و بهيس .. المهم لقيت حالى كأنى فى صندوق مقفول .. قلت يا ليلة بلاك .. شكل الواد بعرة كبس الحجر بتعميرة مضروبة و هالبت أنا رحت فى غيبوبة و شكلهم جابولى الحكيم إياه راح ماضيلى شهادة وفاة و عنها و عبونى فى تابوت و حملونى فى بيجو تحت الطلب..

لسه هاخبط و أدبدب لقيت لمبة حمرة فوق دماغى نورت .. الظاهر دى خشبة حديثة فيها سينسور للحركة.. أنا قلت كده فى عقل بالى بس اللى حصل إن الخشبة هوب إتقلبت زى عربية الزبالة و لقيت نفسى بتزحلق من آخرها و بنزل على كرسى كاوتش منفوخ!! .. لأه بقى دى مش خشبة حانوتى دى و ألا همه ميكنوا الدفن و بقوا بيعملوا للبنى آدمين سكراب زى العربيات؟.. ياوقعة طين ده كده أبقى داخل على المكبس عدل ..

المهم على ماعينى إتعودت عالضلمة كنت حاسس الكرسى ماشى بيه و بسمع كل دقيقة و التانية هبدة أكن حاجة بتترمى من فوق و لما بديت أشوف لقيت بنى آدمين مرصصين فى كراسى على سير ماشى على فين ماعرفش .. صحيح كانو ساكتين بس ماكانوش أموات.. يعنى مش معقول يكونوا غلطانين فى كل دول و أكيد إحنا مش رايحين على المكبس .. طيب نبقى رايحين على فين ؟

حاولت أسأل اللى قدامى ماردش جربت أتلوح و أسأل الأخ اللى ورايا برضه ماعبرش بس مافضلتش فى حيرتى كتير لأن شوية و لقيت السير بيخرج بينا فى فسحة كبيرة زى ماتكون الصالة المغطاة فى الإستاد و الناس مرصوصة فى مدرجات و الكراسى ماشية بيهم .. دقيقة و السير وقف .. حبيت أقوم من مكانى مقدرتش لأنى كنت محشور فى الكرسى .. و فجأة و أنا بفلفص سمعت صوت صفارة زى بتاعة القطر فى دعاء الكروان و قدام منى ماسورة بتطلع من الأرض لغاية ما بقت قدام وشى .. و زيها قدام كل واحد من اللى حواليه ماسورة آخرها زى الحنفية أول مابقت قدام وشه مد بقه على بوزها..

قعدت أبحلق فيهم و أبص على الحنفية اللى قدامى مستنى أشوف إيه هايحصل بس شوية و راحوا ساحبين إبقاقهم و همه بيتنهدوا .. و سمعت صوت واحد من آخر الصف بيزعق :”حرام عليكم يا ظلمة .. كل يوم تخنصروا من الخمس دقايق بتوع التغذية .. من يوم ما المخروبة دى مسكها مدير مصرى و هو بيلهف الأكل بتاعنا فى كرشة .. فين أيامك يا مالهوترا…..” .. و قبل مايكمل كلامك إذا بحاجة زى الخطاف نازلة منين ماعرفش قفشته من قفاه و هوه بيرفس و زو طارت من فوق دماغنا و الناس باصه كأنها عصفورة طايرة.. و قبل ما أسأل لقيت واحد زعق “الأكل جه” و عنها و كله حط بوزه على الحنفية اللى قدامه ..

بصيت قدامى لقيت الحنفية بتجيب حاجة مزلبطة و صفرة زى ترجيع الواد دودو لما كان عيان .. حاجة تقلب المعدة .. و العالم المغفاين دول نازلين بلبعة فى الهباب ده إزاى ؟ .. دقيقة و الحنفية بطلت و الجماعة نازلين شفط بيحاولوا يجيبوا أى حاجة فاضلة بس ما أخدوش راحتهم لأن المواسير بدأت تنزل فى الأرض تانى و السير بتاع الكراسى بدأ هوه كمان يتحرك .. و واحد ورايا بيقول :”عالم معندهمش دم .. سايب النعمة تتدلدق على الأرض؟”..

بصراحة ماعبرتوش .. أول هام لأنى معرفتش أشوفه .. و تانى هام السير كان داخل بينا فى سرداب جديد.. بس ده ماكانش ضلمة لأن كله مواسير قزاز نازلة من السقف و طالعة من الأرض و كلها منورة أحمر و أخضر و أزرق .. أنا قلت شكلهم غدونا و دلوقت بيفسحونا ..

شوية و السير وقف تانى و فى لحظتها حسيت بسيخ معدن بيندب فى ضهرى معرفش دخل منين .. ياولاد ال تييت!! .. هوه فيه إيه؟.. الموضوع بدأ يتطور بسرعة .. خطاف معدن قفل فى حلقة حوالين رقبتى و من فوق نزلت طاسة بتلمع عشقت مع الحلقة و بقت دماغى متعبية فيها و عنها و حسيت كأن شاكوش هبدنى فى دماغى و كأن جسمى كله ولع نار .. طيب لو دى جهنم مش كنا إترمينا فى الفرن و خلاص؟.. و ألا كل واحد بيروح على جهنم متفصلة حسب خبراته فى الحياة؟ .. يعنى إحنا جهنم بتاعتنا كلها تكنولوجيا حديثة؟.. أنا مش عايز تكنولوجيا و موافق أروح مع الحاج أبو لهب فى الحفرة اللى متلقح فيها..

العملية ماطولتش و كأن جسمى أخد على الموضوع و مبقتش حاسس بحاجة غير تنميل .. و حسيت كأنى طاير فى فراغ و ناس كتير حوالية طايرة فى كل إتجاه بيمروا من جنبى بسرعة كأنى راكب صاروخ و معدى فى وسطيهم لغاية ما واحد منهم وقف قدامى وشه فى وشى .. كان مبحلق فيه بس ولا كأنه شايفنى.. حاولت أقوله حاجة بس كأن صوتى كان رايح لكن هو كان بيقول حاجة..

–          مونيكا؟؟.. مونيكا؟؟

–          ييس دارلينج..

دى بقى البت مونيكا اللى بينده عليها؟ .. مزة أمريكانى إتحدفت علينا و لزقت وشها فى وشى هى كمان.. بس برضك ولا كأنها شايفانى .. الغريبة إن الإتنين كانوا بصينلى و كأنهم بصين لبعض!!

–          هاى هوسنى .. هاو آر يو؟

–          آم فاين مونى .. برآى ميس يو سو.. (لا مؤاخذة السب تايتلز نازلة المشهد الجاى)..

–          إنت كنت فين هوسنى

–          سورى دارلنج .. بس داد كان زعلان كتير.. و قاللى كلام وحش كتير عنك مونى .. أنا مش مصدق منه حاجة .. أنا عارف كلاب الإس إس بتوعه لازم يطللعوا كل يوم حاجة جديدة عشان يفتكر إنهم قال إيه شغاللين بجد..

فى اللحظة دى كان فيه واحد جديد لزق من وراهم همه الإتنين بس ماحدش فيهم حس بيه!!

–          الإس إس قالوا إيه عنى ؟

–          تصورى مونى بيقولوا إنك مصرية ثيرد جينيراشن مش أمريكانية أصلى و إنك عضوة فى منظمة هيومان رايتس و على إتصال بالعيال الخونة اللى واخدين لجوء سياسى عندكو فى أميريكا و قاعدين يشتموا فى داد و جدو جيمى..

البت مونيكا وشها إصفر و الأخ اللازق وراهم عينيه برقت و إبتسم إبتسامة صفرا..

–          هوسنى دارلينج .. اللى لازم تعرفه إنى بحبك .. حتى لو كان الكلام ده صحيح..

–          أوه مونى .. مش عايز أسمع .. إنتى بنت فلاحة ..

–          فلاحة؟.. فلاحين إنقرضوا هوسنى .. مفيش فلاحين..

–          مصريين .. إسمهم فلاحين .. همه صحيح مش بيزرع و يقلع لأن كل كل أرض دلوقت ملك أولاد أونكل زيزو الكبير بس برضه إسمهم فلاحين ..

–          بس أنا موم و جرانى أمريكان هوسنى ..

–          أوه .. إذا كان كده أو كى .. بس إيه حكاية هيومان رايتس دى و بتطالبى بحقوق رعاع مصريين .. همه هيومان عشان يبقى ليهم رايتس؟؟

–          لأ هوسنى .. إحنا رفعنا قضية عشان نلغى الحكم بتاع السوبريم كورت عندنا اللى قال إن جمعيات أنيمالز رايتس مش مختصين بشئون مصريين ..

–          و لو .. إنتى مش هيومان رايتس؟

–          ما إحنا لما ناخد حكم دى هانرفع قضية تانى و نقدم إثبات إن مصريين هيومانز ..

–          ده مستحيل مونى .. لو ده حصل يبقى جدو جيمى و داد ممكن يشحتو لأن ساعتها مش ينفع نأجر مصريين لشركات أمريكية ..

–          إنت عارف هوسنى إن إنترناشيونال لو بيمنع إستخدام إنتليجنت كريتشرز آز بيوتيك شيبس..

بيوتك شيبس؟؟ .. يانهار مدوحس؟؟.. الفيلم ده دخل من ماتريكس على جونى نيمونك .. هى ليلة أفلام كيانو ريفز .. طب مالو سبيد .. أنا بحب ساندرا بولوك أمريكاز سويت هارت .. أنا مش عايز البت المعضمة المستقوية بتاعة ماتريكس ..

–          المحكمة الدستورى قال مصريين درجة تالتة موش إنتليجنت كريتشرز..

–          لأ هوسنى إحنا لقينا واحد مصرى درجة تالتة و قدرنا نخليه يقول ماما و بابا بعد تدريب لمدة 10 سنين بس و لما نقدمه لسوبريم كورت هتحكم إنه إنتليجنت كريتشر .. يعنى بعد ما تحكم الأول إنه ليفينج ثينج..

–          أنا موش مصدق مونى..

–          آى سوير باى فرانكلينز بيك أون زا هولى وان هندرد بيل..

–          نو مونى لو صادقة كونتى حلفتى على الورقة أم ألف .. على العموم لو حقيقى خلينى أعمل معاه لايف تشات ..

–          أو كى هوسنى آى ويل كونتاكت أور بيبول أند أرينج فور إت ..

البت الأمريكانية الهابلة فصلت من هنا و الحاج اللى لازق ورا راح مبلغ تمام و عنها و لقيت واحد بيلزق الخالق الناطق طوييييل العمر بس زى اللقطة اللى طلع فيها فى فيلم شادية و كمال الشناوى يعنى ورور عالآخر .. أقولك الحق أنا إتاخدت و مافوقتش إلا لما لقيتهم بيتكلموا..

–          إكسلنت هوسنى .. ده برضه عشمى فيك ..

–          بس داد .. همه هيعملوا إيه فى مونى ..

–          البت دى لازم تنساها تماما .. مستر جيتس ذا ثيرد ويل تيك كير أوف هير.. إنت لازم تبص لمستقبلك .. إنت عارف إن جراندبا خلاص عمل عملية الريجينيراشن و نجحت .. يعنى لا أنا و لا إنت ممكن نفكر فى الكرسى..

–          بت داد .. هوه قال إنه لما يحتفل بالمئوية هيديلك الكرسى ..

–          أنا أعرف جراندبا أحسن منك .. و صحيح أنا إبنه الوحيد و جابنى بعد ماطلع عينه.. بس الكرسى أغلى عنده منى.. و على العموم أنا مايهمنيش الكرسى ده .. منصبى فى جوجول أهم بكتير من إنى أكون مقاول بيوتك سلافز فى العالم التالت .. إنت كمان مستر جيتس محضرلك مكان فى ميكرو سوفت مكافأة ليك على اللى عملته النهاردة.. خلاص حضر نفسك لحياتك الجديدة .. أنا عندى شغل دلوقت .. إبقى خلينى أشوفك …

طويل العمر خلع .. يعنى هو مش معقول يكون ذات نفس الشخص بس هوه يشبهله.. الواد هوسنى برضه خلع و فضل الجدع اللى ماحدش كان شايفه بس جاله واحد تانى و لزق ..

–          تمام يافندم.. زى ماحضرتك شفت كل شيئ مشى تحت السيطرة..

–          تمام يا ميمى المهم الكلين أب.. موش عايزين أى أثر للمعلومات ..

–          إطمن يافندم .. أى وصلات بشرية هيتم التخلص منها ..

–          عايزهم فى الإسكراب قبل ساعة من دلوقت ..

–          أكيد يا فندم

سكراب ؟؟ يعنى آخرتها سكراب برضه .. يا ولاد التيت .. يا تييييييت تيييييت..

قعدت أفلفص و أنا بألعن سنسفيل جدود اللى خلفوهم لغاية ما دب لقيت نفسى بخبط فى الأرض .. ببص حوالية لقيتنى وقعت من عالكنبة و اللى مايزال فى قبضة يدى.. و لقيت المدام داخلة بتسألنى .. ” اللقاء إبتدا .. أخلى العيال يسيبولك الكومبيوتر؟”

–          هه؟؟.. لأ خليهم يلعبوا .. أنا شفت الفيلم ده قبل كده ..

Read Full Post »

أعتقد أن كثيرين سيتفقون معى فى أنه مقارنة بما كان عليه مجتمعنا قبل ثلاثة عقود من الآن فإن هذا المجتمع يبدو اليوم أكثر تدينا .. فمظاهر التدين تمتد من أزياء النساء إلى عبارات التحية و المدح و العزاء .. و هى تحيط بك فى كل مكان .. فى الطريق و فى وسائل المواصلات و أماكن العمل و فى غرفة معيشتك حيث تطل عليك من شاشة التليفزيون .. و يبدو لمتابع أحوال بلادنا أن الإهتمامات ذات الأولوية للناس تتعلق بالدين قبل أى شيئ آخر فإن لم تكن دينية فى أصلها فإنها أقرب إلى أن تصطبغ بصبغة الدين بشكل أو بآخر .. القضايا التى تثير أكبر نسبة من الإهتمام و المتابعة هى تلك التى تتصل بالدين بشكل أو بآخر أما القضايا ذات الصبغة القومية و السياسية فى الأساس فإما أن تتحول إلى الصبغة الدينية أو تسقط من سلم الأولوية الجماهيرية..

نحن إذن شعب متمسك بدينه.. حريص على ممارسة طقوسه.. متحمس للدفاع عنه و مستعد دائما للتعبير عن غضبه فى وجه أى محاولة للتعدى على هذا الدين أو أحد رموزه .. و نحن أيضا حريصون كل الحرص على إخضاع كل فعل من أفعالنا و كل خيار من خيارات حياتنا اليومية سواء كانت مصيرية أو عابرة لأحكام الدين و الشريعة و الدليل على ذلك هو إقبال عشرات الآلاف منا على طلب الفتوى الشرعية فى كل كبيرة و صغيرة و يقابل هذا إقبال الملايين منا على متابعة الجديد من طلبات الفتوى و إجاباتها و إستجابة لهذا الإقبال تخصص قنوات التليفزيون برامج كثيرة و تفرد الصحف صفحات متخصصة و تصدر دور النشر كتبا جامعة بل تنتشر خدمات خطوط ساخنة للهاتف يمكنك أن تتصل بها للحصول على الفتوى التى تحتاجها مباشرة و دون تأجيل..

فى مقابل هذه الصورة فإنك إن أردت أن تصف حال مجتمعنا اليوم فلن تجد مفرا من القول بأن ناسه منصرفون بكل طاقتهم إلى التكالب على نيل أكبر قدر يمكنهم الحصول عليه من متاع الدنيا و هم فى تنافسهم المحموم هذا يدهس بعضهم بعضا و يمارسون صنوفا شتى من الظلم و الأذى إلى حد أصبحت معه الحياة لغالب أفراد هذا المجتمع جحيما مقيما.. و لا يقتصر هذا الجحيم على فئة أو طبقة دون أخرى و إنما هو فقط يختلف فى نوعه و ربما حدته.. فالطبقات المهمشة لا تجد سبيلا إلى الوفاء بإحتياجاتها الأساسية و تجد الطبقات الأعلى منها صعوبة بالغة فى مقاومة الإنزلاق إلى المصير ذاته و فى الطابق الأعلى مباشرة يستهلك الناس حياتهم فى صراع لتحقيق تطلعات لا تنتهى و أعلاها هو الصعود إلى الطوابق العليا التى يتميزون بالقرب منها بحيث تخايل قلوبهم بأحلام مؤرقة عما هم محرومون منه .. و حتى فى أعلى طوابق بناء هذا المجتمع لا تقل الحياة بؤسا فساكنوه فى صراع أكثر حدة خاصة و أن القمة الضيقة لا تتسع إلا لعدد محدود بينما يتطلع و يسعى إليها الكثيرون..

ثمة تناقض واضح بين الصورتين .. فذلك المجتمع المتمسك بدينه يفترض به أن يصطبغ بقيم هذا الدين .. و لا يوجد سبيل إلى حل التناقض إلا بأحد إفتراضين .. فإما أن يكون الدين و قيمه لا دور لهما فى علاج هذه الآفات المجتمعية و بالتالى لا ينتظر من التمسك بالدين أن يكون له أثر فى تغيير هذه الحال .. و إما أن يكون ما نراه من مظاهر للتدين لا علاقة له بالدين و لا يؤدى إلى تفعيل دوره فى تغيير المجتمع ..

فى الواقع أن طرح هذين الإفتراضين هو تبسيط للأمر .. فهما فى صياغتهما هذه يمكن أن يكونا صائبين معا و مخطئين معا فى نفس الوقت .. فالدين الذى يتلخص فى مظاهر التدين التى نراها من حولنا لا يملك إجابات حقيقية عن التساؤلات التى يطرحها حال مجتمعنا .. و لكن هذه المظاهر فى حد ذاتها ليست كلها منبتة الصلة بالدين الصحيح و بالتالى لا يمكن تعميم القول بأنها كلها لا علاقة لها به..

بمعنى آخر .. هناك إشكالية حقيقية فى فهمنا للدين تجعل هذا الفهم قاصرا عن تغيير المجتمع و تحبسه فقط فى إطار المظاهر و تقتصر فعاليته و حيويته على توليد هذه المظاهر و الدفاع عنها ولذلك فهو مضطر إلى المبالغة فى كلا الأمرين أى أنه يقوم بتوليد العديد من المظاهر التى لا علاقة لها بالدين و يتطرف بشدة فى فرض مظاهر التدين و فى الدفاع عنها سواء بالحق أو الباطل..

ليست هذه الإشكالية وليدة عصرنا هذا و لذلك فإن تاريخ مجتمعاتنا المسلمة يشى بأنها كانت معظم الوقت تعانى من أنواع مختلفة من الأمراض المزمنة التى لم تتمكن من علاجها.. و لنكون أكثر تحديدا فإنه بخلاف مجتمع المدينة الذى أقامه الرسول صلى لله عليه و سلم و ظل على تماسكه طوال عهدى الشيخين أبو بكر و عمر رضى الله عنهما لا يمكننا أن نجد مجتمعا مسلما بلغ القدر ذاته من التماسك و التجانس و خفوت حدة الصراع إلى حد لا يمكن معه أن نتبين أثره على السطح.. و لا يوجد سبيل إلى الشك فى أن نشأة هذا المجتمع و بناءه و مزاياه هى كلها نتاج لدعوة الإسلام و لذلك فإن قدرة هذه الدعوة و هذا الدين على بناء مجتمع يقترب من حد الكمال أمر مثبت تاريخيا .. و من المهم ملاحظة أنه لا يمكننا أن نعزو المصاعب التى واجهها المسلمون فى الفترة اللاحقة مباشرة إلى تفكك المجتمع و تخليه عن قيمه و إنما تتعلق أحداث الفتنة بخلاف فى إطار النخبة تفاقم إلى درجة الصراع .. و لكن هذه الفتنة و آثارها ألقت بظلالها على تطور فهم المسلمين لدينهم و كانت بذلك واحدة من القضايا التى إنشغل بها العقل المسلم فى أوان حيويته..

لست هنا معنى بتتبع الأحداث التاريخية لأنها ببساطة لا تصرح بما يساعدنا على أن نضع أيدينا على النقطة التى إختفى فيها فعليا ذلك المجتمع المسلم الذى أنشأ الرسول صلوات الله و سلامه عليه نواته الأولى فى المدينة .. و أقصى ما يمكننا ملاحظته إلى جانب أخبار و سير الخلفاء و الأمراء و أصحاب الفتن هو المنتج العلمى الباقى و الذى بلغ أوج إزدهاره فى القرنين الثالث و الرابع الهجريين ثم إنحط بشدة بعدهما .. و أكاد أجزم أن فقدان علوم الإسلام حيويتها فى تلك الفترة كان هو سبب إنسحاب الدين على حقيقته من مجال الفعل إلى إطار الشكل و إحتباسه هناك..

ما ميز عصر إزدهار العلوم الإسلامية هو حيويتها و تجددها بوتيرة متسارعة فلم تلحق فقط بتطورات عصرها بل سبقته و إستشرفت المستقبل فى كثير من النواحى .. و فى إعتقادى الشخصى كان علم الكلام واحدا من أهم المنتجات العلمية لهذا العصر.. و شأن كل علم وليد كان لابد له من التعثر بينما يستكشف مجال تمدده و يحدد مسائله التى يمكنه مناقشتها و يفرزها عما لا طائل من تتبعه .. و لكن هذا العلم واجه مشاكل تتخطى ذلك لأنه كان معنى بإشكاليات وضعته فى مجال الولاء للحاكم و معارضته كما أنه إنغمس فى قضايا أثارت حفيظة قطاع عريض من العلماء الذين آثروا تجنبه لذلك .. و على الرغم من أن علماء العصر لم يكن التخصص فى أحد فروع العلوم الإسلامية قد غلب عليهم بعد إلا أنهم كانوا ينقسمون بشكل ما حسب ميولهم العقليه إلى من يغلب عليهم الطابع العملى من الفقهاء و من يلتزمون النقل من حفاظ الحديث و كلا الفريقين كان يجد فى علم الكلام إبتداعا غير مقبول فهو لا يستقيم مع قياس الفقهاء و لا يلتزم بنقل الحفاظ..

فى ظل هذه العوامل عاش علم الكلام طفولة قلقة مضطربة ثم قضى نحبه عمليا و لما يبلغ الحبو بعد.. و فى إعتقادى الشخصى كانت تلك خسارة فادحة لعلوم الإسلام فقد تركت ركنا فارغا لم يملأه بديل و هو ركن ظهرت الحاجة الحقيقية إليه فى العصور التالية و بخاصة مع بداية العصر الحديث ..

و قد أسهمت عوامل عدة فى أن تصاب بقية العلوم الإسلامية بدرجات مختلفة من الجمود و إختصر دور العلماء فى علاقتهم المباشرة بالمجتمع فى إطار الفقه و الفتوى و هما معنيان أساسا بالتعبير العملى عن القيم الدينية فى شكل خيارات و إجراءات و لذلك فالفقه يبدأ بالقيم كمسلمات ليست موضع دراسة.. و ليس فى ذلك ضرر إذا كان ثمة من العلوم ما يعنى بدراسة القيم فى ذاتها و يربط بينها و بين المنطلقات الأولى للعقيدة .. و هذا أمر ضرورى لأن به وحده يتكون الفهم الواضح و الصحيح لتلك القيم .. و هذا الفهم هو ما يسمح للتعبير العملى عن القيم بمساحة من الحركة و المرونة .. فبدلا من تعلق التطبيق بنقطة مركزية جامدة لكل قيمة ، يتحرك فى فضاء مفهوم هذه القيمة و هو فضاء يتسع إستجابة للتساؤلات الجديدة التى يطرحها تطور المجتمع و محيطه..

و ما أعتقده أن علم الكلام لو أنه قد أتيحت له فرصة التطور السليم كان الأقرب إلى تغطية هذه المساحة الهامة.. فهو فى عمومه كان معنى بتطوير أشكال مختلفة لفهم العقيدة ولو لم يستغرقه هذا الإختلاف لكان بإمكانه أن يطور أدوات نقدية قادرة على طرح الغث من أفكاره الأولى ثم التقدم إلى التخصص بوضوح فى دراسة المنطلقات الأولى للدين و ربطها بالقيم ثم تطوير المفاهيم الواسعة لتلك القيم و تنزيلها على حال المجتمع .. و بذلك كان يمكن توقع أن تعم فائدته غيره من العلوم الإسلامية إضافة إلى المجتمع ذاته الذى كان سيجد فيه مصدرا متجددا لمناقشة و فهم القيم الدينية بصورة ترتبط بالحياة اليومية و تغيراتها .. و هذا تحديدا هو ما يفتقد إليه مجتمعنا الحالى ..

و لنعود إلى حيث بدأنا .. نحن نعيش مظاهر الدين دون قيمه و ذلك لأن دين الفقهاء قد تجمد فى إطار التطبيق العملى المتعلق كليا بالمظاهر و الإجراءات .. و على الرغم من أن المنطلقات الأولى للدين معروفة و لا خلاف عليها إلا أنها بعيدة عن أفهام الناس كأنما تنتمى إلى عالم آخر و هى فى ضمير الكثيرين بالفعل تنتمى إلى عالم مختلف و الإشكالية أنه لا يوجد فى الخطاب الدينى المعاصر ما يربط العالمين من خلال الرابط الحقيقى بينهما و هو الإنسان و طبيعته و مسئوليته و دوره و تلك قضايا لا يختص أحد العلوم الإسلامية حاليا بنقاشها و يعرض لبعض الدعاة أو العلماء أن يتعرضوا لها و لكنهم يقيدونها بترداد المحفوظ عنها من عبارات تراثية مما يبقيها منتمية إلى ذلك العالم البعيد عن متناول الناس و عقولهم..

و ما دامت القيم و المبادئ الأولى تبقى محتبسة فى عالمها الخاص كأنما هى أيقونات مقدسة ننحنى لها إجلالا دون أن نلمسها أو نتواصل معها فحياتنا اليومية إنما تخضع لقيمها الخاصة و هى قيم العالم المادى المرتبط بالحاجة و الشهوة و الطبيعة الحيوانية للإنسان .. و لا سبيل إلى دمج الدين حقا بالمجتمع بحيث يصبح المحرك الحقيقى له و يصبح فاعلا فى تغييره و تطويره ليعكس قيمه و مبادئه إلا بأن يتغير فهمنا للدين أولا و يتخلى عن جموده و إنطوائه على نفسه .. ليس بالإنفتاح على الجديد كما يحلو للبعض أن يتصور و لكن بالعودة إلى الأساس و إعادة دراسته و فهمه .. و بشكل أكثر تحديدا بإنشاء هذا العلم المعنى بدراسة العقيدة من حيث هى إجابة للأسئلة الفلسفية الكبرى عن العالم و الإنسان و طبيعته و موقعه فى هذا العالم و قيمته التى كرمه الله بها فرفعه فوق عنصره المادى بأن نفخ فيه من روحه .. و من خلال توليد الإجابات يمكن تكوين نظرة شاملة إلى طبيعة المجتمع و القوى الفاعلة فيه و من ثم تكوين مواقف أكثر وضوحا من قضايا توزيع الثروة و تداول الحكم و المشاركة السياسية و المواطنة و حقوق الإنسان.. و المقصود هنا مواقف و أفكار و مفاهيم و ليس فتاوى و هذا تحديدا مانفتقده فى الدين كما يفهمه فقهاؤنا .. و بشكل أوضح يرى الفقهاء موقف العقيدة من أى شيئ على هيئة فتوى و لا يستطيعون تقديم بديل يقول على الفهم و التفاعل و نقل الأمر إلى محيط فلسفة دينية عامة حتى يمكن تقييمه فى إطارها.. و السبب بالطبع أن تلك الفلسفة الدينية ليست موجودة و أكثر من ذلك مرفوضة من قبلهم.. و لكن تلك الفلسفة الدينية ضرورة ملحة لأنها لا تتيح لنا فقط مجالا رحبا لتقييم و فهم المستجدات و لكن لأنها تتيح تقديم المنطلقات الأولى للعقيدة فى صورة يمكن تغذية المجتمع بها لأنها تتعلق به و تتحدث عنه و من هنا لا يكون المجتمع مستعدا بنخبته فقط للتحاور مع الجديد فى صورته الأيديولوجية و لكن يكون مستعدا بأفراده للتعامل مع الجديد اليومى الذى يبدو بريئا من الأيديولوجية و محايدا دون تضمينات أخلاقية..

و ختاما ليس حديثى هذا منفصلا بأى حال عما تحدثت عنه فى التدوينات السابقة .. فإنسان مجتمعنا لا يجد فى تدينه الظاهرى معينا له يحفظ عليه إنسانيته و يحميه من التحول إلى سلعة فى عالم مادى .. و المتصدون للإشتغال بعلوم الدين المنفردون بها لا يقدمون للمجتمع ما يدافع به عن قيمه و يحميه من القيم المادية المتغلبة عليه و ذلك لأن فاقد الشيئ لا يعطيه فهم أسرع الناس إلى التسلع و التحول إلى بضائع تزجيها فترينات الإعلام إلى جماهير لا تملك من مقاييس التقييم سوى البريق..

Read Full Post »