Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘باريس هيلتون’

هل يبدو العنوان مثيرا بالقدر الكافى؟ .. أعتقد إن إسم باريس هيلتون فى ذاته يمكن أى يضفى كثيرا من الإثارة على أى جملة يذكر فيها بالنسبة لعدد غير قليل من الناس .. ذكر الإسم مقرونا بجياع العالم سيجعل البعض يقفزون إلى إستنتاج أن ما أنوى كتابته يدخل تحت تصنيف الكراهية الطبقية و لا أستطيع نفى ذلك بثقة كاملة ..

فى تقريرها السنوى لعام 2009 قالت منظمة العفو الدولية أن جياع العالم – أى هؤلاء البشر الذين لا تتوافر لهم الموارد الكافية للحصول على الحد الأدنى من الغذاء – سيبلغ عددهم هذا العام مليار نسمة .. أسباب الزيادة فى أعداد هؤلاء تضم الأزمة الإقتصادية العالمية و لكن هذه الأزمة أدت فقط إلى إرتفاع معدل الزيادة لهذا العام .. أما الزيادة السنوية بغض النظر عن إزدهار أو تباطؤ نمو الإقتصاد العالمى فلها أسباب أخرى أهمها هو أن إنتاج الغذاء عالميا لا ينمو بنفس معدل نمو الطلب عليه..

و لكن ألا يبدو هذا غريبا؟ .. أعنى إن مبدأ العرض و الطلب فى الإقتصاد (الحر) يقول إن زيادة الطلب على أى سلعة تؤدى تلقائيا إلى زيادة إنتاج السلعة و زيادة المعروض منها .. و فى رأيى المتواضع يبدو الطلب الذى يمثله مليار آدمى كبيرا بالقدر الكافى فلماذا لم يؤدى إلى إيجاد عرض مقابل و لو لجزء يسير منه؟

يمكن الإجابة بأنه قد يكون ثمة مصاعب تقنية تحول دون زيادة إنتاج المحاصيل الغذائية و لكننا لا نملك إلا أن نتشكك فى هذه الإجابة عندما نعلم أنه فى عدد من الدول المنتجة للمحاصيل تم توجيه نسبة متزايدة من محاصيلها إلى تصنيع الوقود الحيوى الذى يبشر كثيرون بأنه سيكون بديلا للنفط كمصدر لإحتياجات الناس من الطاقة .. فى الإطار نفسه تتجه العديد من الشركات العالمية إلى شراء أو إستئجار مساحات واسعة من الأراضى الصالحة للزراعة فى إفريقيا بهدف إنتاج المزيد من المحاصيل الصالحة لإستخراج الوقود الحيوى ..!!

المفارقة تبدو حادة بعض الشيئ إذا ما تذكرنا أن إفريقيا هى موطن العدد الأكبر من جياع العالم و هى تفتقد إلى الإستثمارات اللازمة لإستزراع أراضيها و اليوم و بينما تأتى هذه الإستثمارات بل و تتنافس إلى حد الصراع على كل قيراط من الأرض الصالحة للزراعة فى القارة فإنها لا تفعل ذلك بهدف توفير الغذاء لمن يحتاجه بل على العكس من ذلك فهى تؤدى إلى جعل إنتاج الغذاء فى القارة أعلى تكلفة لأن تنافسها على هذه الأراضى يرفع سعرها و إستحواذها على الأراضى الأكثر خصوبة لا يترك إلا الأرض الأصعب فى الإستصلاح و الأبعد عن موارد المياه أى تلك التى يتكلف إستزراعها أموالا أكثر .. فى المحصلة تؤدى هذه الإستثمارات إلى جعل هدف توفير الغذاء لمن يطلبونه أكثر صعوبة..

حسنا .. كيف لتلك الأفكار أن تزدحم برأسك بينما تشاهد كليب لباريس هيلتون تتحدث عن أمر ما لا أذكر ما هو بينما تتمدد على شيزلونج على حافة حمام سباحة و هى ترتدى مايو من قطعتين لا يكاد يخفى من جسدها النحيل شيئا ؟ .. أغلب الظن أنك لن تفكر فى الكثير و أغلب الظن أنك لن تهتم بالمايوه المختصر مقارنة بما يكشفه و لكنى ربما لأنى لا أحب النحافة المفرطة تركز إهتمامى على المايوه و ليس على صاحبته .. ترى كم يبلغ ثمن هذا المايوه؟ .. لا تسارع إلى فهم ما أعنيه فلن أتطرق إلى الإسطوانة القديمة المملة عن عدد الجياع الذين يمكن إطعامهم بثمن هذا المايوه و لكنى مهتم بأمر مختلف .. فهذا المايوه هو بالتأكيد ذو سعر مرتفع للغاية و يمكنك الثقة فى أن سبب ذلك ليس هو قيمة المواد الخام الداخلة فى تصنيعه أعنى أنه حتى لو كان القماش المستخدم غاليا فالمساحة المستخدمة منه محدودة للغاية .. ليس السبب أيضا هو فى إرتفاع أجر من شارك فى تصنيع المايوه لأن المهارة المطلوبة مهما كانت إستثنائية فهى ليست نادرة ..

سبب إرتفاع السعر بالطبع هو الماركة المشهورة للمصمم العالمى الذى وضع توقيعه على المايوه و إلى هذا المصمم أو دار الأزياء التى يملكها يذهب الجزء الأكبر من ثمن مايوه باريس الذى سيكون أكبر و أكبر (الثمن لا المايوه) كلما كان عدد المنتج من نفس تصميمه أقل و أقل و هى عملية تبدو عكس المنطق لأنها تعنى أنه كلما قل الإنتاج زادت الأرباح!!

دعنا نترك مايوه باريس جانبا لبعض الوقت حيث أنه قد يمثل للبعض إلهاءا يحول دون تركيزهم فيما أحاول شرحه .. و بينما تستمتع باريس بحمامها الشمسى ننتقل إلى مصر التى لا تخلو بدورها ممن يستمتعون بحمامات الشمس على حواف حمامات السباحة .. فى الواقع شهدت مصر فى العقود الأخيرة نهضة عمرانية لافتة فطوال هذه العقود كان قطاع البناء و التشييد هو أكثر القطاعات الإقتصادية نشاطا و أعلاها نموا .. و لكن فى المقابل يبدو أن مشكلة الإسكان فى نفس الفترة الزمنية قد إزدادت تفاقما بدلا من أن يخفف منها تزايد المعروض من المساكن!!

أغلبنا يعرف السبب و هو أن الغالبية العظمى من العرض فى سوق المساكن يتمثل فى الإسكان الفاخر بينما الغالبية العظمى من الطلب تستهدف الإسكان الإقتصادى و المتوسط .. و السؤال مرة أخرى لماذا لا يتجه الإنتاج و العرض نحو السوق الأكبر؟

دعنا نفترض أن معدل الربح ثابت بغض النظر عن مستوى الإسكان .. فى هذه الحالة سيكون بناء عشر وحدات إقتصادية مكافئا لبناء أربع وحدات متوسطة أو وحدة فاخرة و فى المقابل سيكون تسويق الوحدات العشرة الإقتصادية أكثر سهولة و بالتالى ستكون دورة التمويل أسرع فلماذا لا يكون بناء الوحدات الإقتصادية أكثر إغراءا؟

الإجابة أن الفرضية الأولى خاطئة تماما فمعدل الربح ليس ثابتا على الإطلاق .. و مع ملاحظة أن أغلب الوحدات السكنية يتم تسويقها بدون تشطيبات فإن تكلفة بناء وحدة فاخرة يكاد يتساوى مع تكلفة بناء وحدة إقتصادية إذا ما إستبعدنا قيمة الأرض ولذلك قد يصل معدل الربح فى الوحدات الفاخرة إلى 200-300%!!

ما الذى نستنتجه مما سبق؟ ..

ليس قانون العرض و الطلب بالبساطة التى يرغب البعض فى أن نفهمه بها .. فى إطار الصورة الوردية للإقتصاد (الحر) يمكن لكل إنسان أن يحصل على إحتياجاته الأساسية فى حدود قدراته لأن إنخفاض أو إرتفاع سعر السلعة ليس هو العامل الوحيد الذى يشجع على إنتاجها و يفترض أن كثافة الطلب على سلعة ما سيؤدى إلى زيادة إنتاجها حتى إذا إنخفض سعرها لأن معدل الإستهلاك سيعوض إنخفاض السعر و يرفع الأرباح .. و يفترض وفق هذه الصورة أن يحصل الفقراء على إحتياجاتهم لأن كثرة أعدادهم ستجعل إنتاج سلع لهم أمرا مربحا ..

فى الواقع لا تتعلق الأرباح بمعدل الإستهلاك و إنما تتعلق بنمط الإستهلاك .. فإنتاج قطعة مايوه واحدة ستحقق ربحا هائلا إذا كانت تتوافق مع نمط إستهلاك فئة من الناس تعتبر الحصول على ثياب من ماركة مشهورة أمرا ضروريا و بناء الإسكان الفاخر سيحقق عشرات أضعاف الربح الذى يحققه بناء إسكان محدودى الدخل لأن زبائنه يدفعون فى مقابل الموقع و مستوى المنطقة و قربها من مناطق الأعمال و التسوق و الترفيه ..

العرض إذن لا ينشأ لتلبية أى طلب و لكنه يتجه إلى تلبية الطلب الذى يحقق أكبر عائد ممكن و هذا الطلب لا تخلقه إحتياجات الفقراء الأساسية و إنما تخلقه تطلعات الأثرياء الكمالية .. الإقتصاد (الحر) ليس فى الواقع حرا تماما أو هو ليس حرا لكل الناس بنفس القدر .. فهو أكثر حرية كلما إزدادت قدرتك المادية و هو أقل حرية كلما إنخفضت هذه القدرة و فى الواقع هو ليس حرا على الإطلاق بالنسبة للمعدمين..

Advertisements

Read Full Post »