“الشعب يريد إسقاط النظام” .. هكذا هتف الملايين فى شوارع و ميادين مصر من شمالها إلى جنوبها و من شرقها إلى غربها .. “الشعب يريد إسقاط النظام” .. كان الهتاف الأعم و الأشمل و الهتاف الأثير لدى الملايين .. صحيح أنه كانت لنا هتافات أخرى كثيرة و لكنها بالجملة كانت مذكرات تفسيرية و تفاصيل إجرائية تحت مظلة هذا الهتاف العام.
هتف المصريون “الشعب يريد إسقاط الرئيس” .. عندما بدا أن “البعيد” لم يفهم أن إسقاط النظام ينطوى بالضرورة على رحيله و التخلص من وجهه العكر .. و لكن هذا لم يعن يوما أن أحدا ممن إعتصم بميادين مصر قد تصور النظام ممثلا و حسب فى شخص الرئيس المخلوع أو فى شخوص الطغمة المقربة من رجاله و رجال إبنه .. و لم يتصور أحد هؤلاء أن النظام ممثل فى الذراع الأمنية الأخطبوطية التى بها بطش الطاغية بشعبه من أراد منه أن يرفع الصوت ضده أو حتى من إلتزم السير فى ظل الحوائط الواطئة و لكن حظه العثر وضعه فى طريق زبانية الأمن من أكبرهم و حتى أصغرهم و أكثرهم ضعة.
النظام فى النهاية ليس شخصا أو جماعة و إنما هو مجموعة من السياسات التى ترسخ لسيادة طبقة بعينها من طبقات المجتمع فتجمع بين أيديها خيوط السيطرة على مفاصل الحياة و تجعل بإمكانها أن تسعى فى تحقيق مصالحها دون أى قيد أو ضابط فتدهس فى طريقها الجميع دون تمييز و تصادر البلد بما فيها من حجر و نبات و حيوان و بشر يستذلون إلى حد أن تنتفى إرادتهم فيصيرون و البهائم سواء.
و لأن السياسات لا تسقط بالضرورة بسقوط شخص أو عدة أشخاص بعينهم و لأنها باقية طالما ظل توازن القوى فى المجتمع مائلا لصالح المنتفعين بها فإن الثورة بالضرورة لابد و أن تستمر و أن تنتقل إلى مرحلة جديدة تتسع فيها مظاهرها و تنتشر إلى كل ركن تتضافر فيه سياسات النظام مع سلطة ممثلة فى فرد أو أكثر من المنتفعين بإستمراره .. و حيث أن موازين السلطة مازالت لصالح هؤلاء فلا سبيل أمام قوى الثورة إلا إتباع نهج المقاومة الشعبية السلمية و أدواتها .. ذات الأدوات التى إستخدمتها هذه القوى بنجاح فى إسقاط رأس النظام ثم إزاحة رئيس وزرائه أحمد شفيق ثم فى إجبار من يحكم مصر الآن على بدء إجراءات تبدو و كأنها ستؤدى إلى محاكمة و محاسبة المخلوع و جماعته.
أدوات المقاومة الشعبية فى وجه نظام يتخندق بسلطته و ثروته و سيطرته على حياتنا هى أشكال الإحتجاج و العصيان السلمى .. التظاهر و الإعتصام و الإضراب عن العمل .. هذه هى كل ما نملك فى ترسانتنا من أسلحة سلمية مشروعة تقررها كافة مواثيق حقوق الإنسان و تحرم المساس بحق أى شخص فى إستخدامها متى شعر بأن ظلما قد وقع عليه لأنه بدونها لا يكون لأى منا المجردون من الملكية و الثروة و السلطة أى حول أو قوة فى وجه طاغوت من يملكونها.
التظاهر و الإعتصام و الإضراب هى أسلحتنا بها نهاجم معاقل النظام فى كل مؤسسة عامة أو خاصة بها نهز عروش فلول النظام المتشبثين بكراسيهم و بها ننتزع بعضا من حقوقنا التى إنتهبت طوال عقود فنضيق الخناق على منابع الثروة التى تستخدم ضدنا لإذلالنا و تركيعنا و تجريدنا من الحق فى جنى ثمار ثورة دفعنا ثمنا باهظا فيها حتى اليوم.
لا غرابة إذن أن يصاب النظام و حماته بالفزع فى مواجهة صور الإحتجاج اليومى التى يشرعها الثوار فى كل مكان فى مصر فى وجوههم و يتهددونهم بواسطتها بأن يرخوا قبضتهم شيئا فشيئا عن أعناقنا جميعا و هم يعلمون يقينا أنه إذا ما أفلت عنقنا من قبضتهم صارت أعناقهم تحت نعالنا حيث لا راحم لها .. و لا ينبغى أن نتصور أن يقف هؤلاء مكتوفى الأيدى بينما يفلت من بين أيديهم قياد البقرة التى حلبوا لبنها عقودا .. و لا ينبغى أن نستهين بقدرتهم فمازال يتجمع فى أيديهم خيوط كافة المؤسسات الحاكمة فى مصر و من تلك مؤسسة التشريع فى غياب برلمان منتخب إضافة إلى مؤسسات القمع الأمنى بصورها المختلفة و أخيرا و ليس آخرا مؤسسات الإعلام و التضليل الجماعى بكل صور ملكيتها ما بين الخاضع للإدارة الحكومية المباشرة أو ما تملكه الرأسمالية التى نمت فى أحضان النظام و برعايته و تمثل القاعدة الحقيقية للمنتفعين من إستمرار سياساته التى ألقت إليهم قياد حكم مصر.
ما نشهده طوال شهور حتى الآن هو حرب ضارية يخوضها نظام محاصر و مصاب بجرح قاتل و لكنه يظن أنه قادر على أن يضمد جراحه و يبقى على قيد الحياة لسنين طويلة قادمة و فى سبيل ذلك يوظف كل أسلحته فى مواجهة كل صور المقاومة الشعبية السلمية التى تهدد بالإجهاز عليه .. و فى هذا السياق فإن قانون تجريم الإعتصامات و الإضرابات هو ضربة مباشرة لا إلتفاف أو تورية فيها فهو ببساطة يهدف إلى تجريد الثوار من أى سلاح لهم .. أما كل الزفة الإعلامية المصاحبة بداية بمواويل عجلة الإنتاج المعطوبة و حتى سيمفونيات الإرجاف بإحداث الوقيعة بين الجيش و الشعب فهى سحب دخان كثيفة يراد بها أن تعمى الأعين عن إدراك حقيقة جهود ممثلى النظام الحاليين الهادفة إلى إفاقته و إعادة بعثه حيا.
مشكلة النظام الذى يترنح و إن لم يسقط بعد أنه ضعيف الذاكرة محدود الخيال .. فهو قد نسى أن قانون الطوارئ الذى حكمت به مصر طوال العقود الثلاث الأخيرة يحرم كل صور الإحتجاج السلمى و لكن هذا لم يمنع تكرار الإحتجاج الشعبى و الإضرابات العمالية كل يوم طوال سنوات و لم يمنع قيام ثورة خرق فيها الملايين قوانين الطوارئ و حظر التجوال و كل أداة تقييد تملكها السلطة القمعية .. و هو لا يصل خياله المحدود إلى تصور النتيجة الطبيعية للضغط على شارع ثائر و العناد و الصلف فى مواجهة مطالبه التى تم تجاهلها سنين طويلة إلى الحد الذى لم يعد معه الصمت ممكنا .. كيف يرى جهابذة النظام رد فعل أناس جردوا من سبل تحصيل حقوقهم بشكل سلمى؟ .. هل هم من العمى بحيث يظنون أن قراء صحفهم و مشاهدى تليفزيوناتهم هم أنفسهم الملايين التى ملأت الشوارع قبلا و التى مازال منها من يواصل المسيرة مضربا و متظاهرا و معتصما؟
فى يوم التدوين هذا ضد قانون تجريم الإضراب لا أجدنى أميل مطلقا إلى محاولة تفسير الحقيقة البسيطة و هى أن الإضراب حق إنسانى لا شرعية لأى قانون تصدره السلطة لتقييده .. كما أنى لا أهتم كثيرا بتوضيح العلاقة الواضحة بين تشريع هذا القانون و بين كافة المظاهر التى يجمعها مسمى الثورة المضادة .. لقد مللت حقا من مخاطبة حزب الفوتيه المطل فاغرا فمه على الواقع من خلال نافذة التوك شو التى هى مجرد مرآة يرى فيها محتويات أدمغته اللزجة .. أفراد هذا الحزب وحدهم فى حاجة إلى فهم معنى الحق الإنسانى و حقيقة الواقع على الأرض .. و لكنهم فى المقابل لا يستحقون الجهد الهائل المطلوب إهداره عبثا فى سبيل إفهامهم ما يحتاج إلى أكثر من معدة لهضمه أو أوسع من كرش لإستيعابه .. أنا فقط أكتب تحية لآلاف العمال و الفلاحين و المهمشين من ثوار مصر الحقيقيين الذين ليسوا فى حاجة إلى تعليمهم ما يدركونه بفطرتهم و ما علمهم إياه شقاء السنين المتراكمة جبالا فوق ظهورهم المكدودة و التى مع ذلك لم تنحنى فتلصق جباههم بتراب الذل .. هنيئا لكم إخوتى من الكادحين تحت شمس هذا الوطن فإذا كان أفضل ما فى جعبة عدوكم قانون ساقط الشرعية فإن النصر لم يكن يوما أقرب إليكم من اليوم ..
