Feeds:
تدوينات
تعليقات

آااااه يا كرامتى

أن تثور إذا إمتهنت كرامتك فهذا شعور طبيعى .. و لأنه طبيعى فهو تلقائى لا تحتاج إلى أن تتعمده .. و لأنه طبيعى تلقائى فهو أيضا لا يتجزأ .. فإما أن لك كرامة تثور بشكل طبيعى و تلقائى فى أى وقت و كل وقت تتعرض فيه هذه الكرامة للإمتهان و إما أنك بلا كرامة فلا تثور فى أى وقت تمتهن فيه كرامتك ..

أقول ذلك توضيحا لكل من يصمون آذانا بصراخهم المحموم ثورة و غضبا لكرامة المصريين التى إمتهنت فى الخرطوم فى أعقاب مباراة القدم المشئومة أمام فريق الجزائر .. لا أنكر أن إعتداءا قد وقع و لا أنكر أن البعض شعر بأن كرامته قد إمتهنت و لكنى أجزم دون اى شك فى أن هؤلاء الذين غضبوا لكرامتنا الممتهنة هم قلة ضئيلة جدا و هم أيضا الأخفض صوتا و الأقل رغبة فى تصعيد الأمر و الأكثر حرصا على ألا يتخطى حدود المعقول .. هؤلاء ليس مفهوم الكرامة جديدا عليهم و قد رفعوا صوتهم و يرفعونه و سوف يرفعونه فى كل مرة إمتهنت فيه كرامة المصريين خارج مصر أو داخلها .. هؤلاء هم من غضبوا لنعوش المصريين الطائرة من بغداد إلى القاهرة و غضبوا لوقع الجلدات على ظهور المصريين فى السعودية و غضبوا لإذلال المصريين على الحدود الليبية و غضبوا لتغييب مياه البحر جثث المصريين الهاربين من ذل الجوع فى قوارب البحث عن السراب كما غضبوا لإمتهان الأرواح المصرية التى قضت بسكين الجشع و الإهمال و المحسوبية فى العبارة الغارقة و خرج قاتلهم مشيعا بآيات الإحترام و التوقير من صالة كبار الزوار فى مطار القاهرة الصالة ذاتها التى تستقبل القتلة الصهاينة المضرجة أياديهم بدم الأسرى المصريين المغدورين .. القائمة طويلة و لا تنتهى و لا تكتمل دون ذكر مهانة المصريين فى كل قسم شرطة و على كل كمين أمنى .. البعض يمثل لهم الغضب لكرامة المصريين قوتا يوميا شديد المرارة يبقون به إنسانيتهم حية فى وقت تحول فيه الأكثرون إلى أشباح فاقدة للروح تحوم وسط خرائب ما كان يوما وطنا للأحياء..

لم يكن هؤلاء يوما إلا قلة خفيضة الصوت و لذلك فمعذرة لأنى لا أصدق أن هذا الصراخ الذى يصم آذاننا لم يخرج من حناجرهم و إنما هو رجع صدى حناجر فارغة جوفاء لم يكن أصحابها يوما يعرفون للكرامة معنى و لم يشعروا فى لحظة بأن كرامتهم إمتهنت بينما أقفيتهم تدهس صباح مساء .. ليس الصراخ و العويل اليوم غضبا للكرامة فهى لا تتجزأ و ليس هو شعور طبيعى أو تلقائى بل هو شعور مصطنع مدروس و مخططا له سلفا و له حسابات تقارن المكسب الأكيد بالخسائر المستبعدة .. إن طبول الحرب المهووسة البائسة التى يقرعها طبالون و راقصون و مهرجى بلاط ليست دعوة للجهاد فى سبيل الوطن و إنما هى دفوف زار ضخم المقصود به أن ينهك الشعب نفسه دورانا و تطوحا إتقاءا لأن تتلبسه أرواح الغضب للكرامة الحقيقية و طردا لأشباح الإنشغال بقضايا الفقر و الجهل و المرض و التوريث و التزوير..

لا نية لدى لتوجيه نداء للعقل من أى نوع فما عدت أعتقد أن لمثل هذه النداءات جدوى فقد أسمعت إن ناديت حيا .. و لكن لا حياة و لا حياء لمن تنادى..

هذا البيان أصدره مجموعة من المثقفين الجزائريين (نقلا عن مدونة عرباوى)

لا للشـوفينـية!

نداء إلى الضمير
نحن المثقفون الجزائريون المموقعون أسفله على مختلف آرائنا  و تصوراتنا لواقع إدارة مؤسساتنا الوطنية و خاصة الشبابية منها، نعلم الرأي العام الجزائري و الدولي بأننا نحتج و نندد بأوضح عبارات الاحتجاج و التنديد بالأسلوب  الشوفيني  المقيت الذي أدارت به المؤسسات الإعلامية الرسمية و الخاصة في كل من البلدين الشقيقين الجزائر و مصر، بكافة أنواعها المرئية و المسموعة و المكتوبة تغطية مقابلة كرة القدم بين المنتخبين الشقيقين، هذه التغطية التي حولت التنافس الرياضي الأخوي النبيل إلى فتنة بين الشعبين الشقيقين اللذين تمتد أخوتهما إلى قرون عديدة و ستظل هذه الأخوة قائمة إلى الأبد.
إن الشعب الجزائري لا يمكنه أن ينسى لحظة واحدة أن الإعلام  المصري كان مقاتلا قويا و سندا مكينا له في ثورته التحريرية الكبرى (1954 – 1962). كما أن الشعب المصري ليس بإمكانه أن ينكر أن دماء الجزائريين سالت مدرارة في حربي الاستنزاف و أكتوبر ضد عدوهما الوحيد المتمثل في المشروع الصهيوني التوسعي الاستيطاني. و هذا التلاحم لا يمكن أن تهزه بعض الممارسات الإعلامية و السياسية غير المسؤولة في كل من البلدين، و التي برهنت بمعالجتها الشوفينية المقيتة و بألفاظها و عباراتها القاسية و بتحريضها للشباب و تحويل طاقاتهم الخلاقة في ملاعب التنافس الأخلاقي الرفيع.
إننا كمثقفين جزائريين ندعو و نناشد الإعلاميين و كذلك السلطات المعنية في البلدين إلى تبني خطاب إعلامي  و مواقف تتميز بالرزانة و الوعي برهانات المستقبل و بالمخاطر الكبرى التي يمكن أن يؤدي إليها  الخطاب الشوفيني المتشنج وغير المسؤول و الذي يعرض علاقة الشعبين التاريخية إلى الخطر من خلال نشر ثقافة الكراهية الضغينة و الحقد المتبادل.
و تبقى ثقتنا عالية في أن الأحداث المؤسفة التي حدثت سيجرفها صمود الشعبين الشقيقين و وعيهما كما جرف من قبل مؤامرات الماضي.
و في الختام ندعو كل المثقفين إلى الالتحاق بهذا النداء
الجزائر في 16 نوفمبر 2009
أولى التوقيعات
الدكتور جمال لعبيدي/ أستاذ جامعي
الدكتور الزبير عروس/ أستاذ جامعي
الدكتور أحمد رضوان شرف الدين/ أستاذ جامعي
الدكتورمصطفى نويصر/ أستاذ جامعي
الدكتور ناصر جابي/ أستاذ جامعي
الدكتور عمار بن سلطان/ أستاذ جامعي
الدكتورة فضيلة بوعمران/ أستاذ جامعي
الأستاذ سهيل زرقين الخالدي / صحفي
الأستاذ مصطفى بوشاشي/ رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان –محامي
الدكتور محمد نور الدين جباب/ أستاذ جامعي
فاطمة الزهراء قشي / أستاذ جامعي
ياسين تملالي /صحفي

للإمضاء :الرجاء الكتابة إلى العنوان التالي :
d_labidi [at] hotmail [dot] com

هل يبدو العنوان مثيرا بالقدر الكافى؟ .. أعتقد إن إسم باريس هيلتون فى ذاته يمكن أى يضفى كثيرا من الإثارة على أى جملة يذكر فيها بالنسبة لعدد غير قليل من الناس .. ذكر الإسم مقرونا بجياع العالم سيجعل البعض يقفزون إلى إستنتاج أن ما أنوى كتابته يدخل تحت تصنيف الكراهية الطبقية و لا أستطيع نفى ذلك بثقة كاملة ..

فى تقريرها السنوى لعام 2009 قالت منظمة العفو الدولية أن جياع العالم – أى هؤلاء البشر الذين لا تتوافر لهم الموارد الكافية للحصول على الحد الأدنى من الغذاء – سيبلغ عددهم هذا العام مليار نسمة .. أسباب الزيادة فى أعداد هؤلاء تضم الأزمة الإقتصادية العالمية و لكن هذه الأزمة أدت فقط إلى إرتفاع معدل الزيادة لهذا العام .. أما الزيادة السنوية بغض النظر عن إزدهار أو تباطؤ نمو الإقتصاد العالمى فلها أسباب أخرى أهمها هو أن إنتاج الغذاء عالميا لا ينمو بنفس معدل نمو الطلب عليه..

و لكن ألا يبدو هذا غريبا؟ .. أعنى إن مبدأ العرض و الطلب فى الإقتصاد (الحر) يقول إن زيادة الطلب على أى سلعة تؤدى تلقائيا إلى زيادة إنتاج السلعة و زيادة المعروض منها .. و فى رأيى المتواضع يبدو الطلب الذى يمثله مليار آدمى كبيرا بالقدر الكافى فلماذا لم يؤدى إلى إيجاد عرض مقابل و لو لجزء يسير منه؟

يمكن الإجابة بأنه قد يكون ثمة مصاعب تقنية تحول دون زيادة إنتاج المحاصيل الغذائية و لكننا لا نملك إلا أن نتشكك فى هذه الإجابة عندما نعلم أنه فى عدد من الدول المنتجة للمحاصيل تم توجيه نسبة متزايدة من محاصيلها إلى تصنيع الوقود الحيوى الذى يبشر كثيرون بأنه سيكون بديلا للنفط كمصدر لإحتياجات الناس من الطاقة .. فى الإطار نفسه تتجه العديد من الشركات العالمية إلى شراء أو إستئجار مساحات واسعة من الأراضى الصالحة للزراعة فى إفريقيا بهدف إنتاج المزيد من المحاصيل الصالحة لإستخراج الوقود الحيوى ..!!

المفارقة تبدو حادة بعض الشيئ إذا ما تذكرنا أن إفريقيا هى موطن العدد الأكبر من جياع العالم و هى تفتقد إلى الإستثمارات اللازمة لإستزراع أراضيها و اليوم و بينما تأتى هذه الإستثمارات بل و تتنافس إلى حد الصراع على كل قيراط من الأرض الصالحة للزراعة فى القارة فإنها لا تفعل ذلك بهدف توفير الغذاء لمن يحتاجه بل على العكس من ذلك فهى تؤدى إلى جعل إنتاج الغذاء فى القارة أعلى تكلفة لأن تنافسها على هذه الأراضى يرفع سعرها و إستحواذها على الأراضى الأكثر خصوبة لا يترك إلا الأرض الأصعب فى الإستصلاح و الأبعد عن موارد المياه أى تلك التى يتكلف إستزراعها أموالا أكثر .. فى المحصلة تؤدى هذه الإستثمارات إلى جعل هدف توفير الغذاء لمن يطلبونه أكثر صعوبة..

حسنا .. كيف لتلك الأفكار أن تزدحم برأسك بينما تشاهد كليب لباريس هيلتون تتحدث عن أمر ما لا أذكر ما هو بينما تتمدد على شيزلونج على حافة حمام سباحة و هى ترتدى مايو من قطعتين لا يكاد يخفى من جسدها النحيل شيئا ؟ .. أغلب الظن أنك لن تفكر فى الكثير و أغلب الظن أنك لن تهتم بالمايوه المختصر مقارنة بما يكشفه و لكنى ربما لأنى لا أحب النحافة المفرطة تركز إهتمامى على المايوه و ليس على صاحبته .. ترى كم يبلغ ثمن هذا المايوه؟ .. لا تسارع إلى فهم ما أعنيه فلن أتطرق إلى الإسطوانة القديمة المملة عن عدد الجياع الذين يمكن إطعامهم بثمن هذا المايوه و لكنى مهتم بأمر مختلف .. فهذا المايوه هو بالتأكيد ذو سعر مرتفع للغاية و يمكنك الثقة فى أن سبب ذلك ليس هو قيمة المواد الخام الداخلة فى تصنيعه أعنى أنه حتى لو كان القماش المستخدم غاليا فالمساحة المستخدمة منه محدودة للغاية .. ليس السبب أيضا هو فى إرتفاع أجر من شارك فى تصنيع المايوه لأن المهارة المطلوبة مهما كانت إستثنائية فهى ليست نادرة ..

سبب إرتفاع السعر بالطبع هو الماركة المشهورة للمصمم العالمى الذى وضع توقيعه على المايوه و إلى هذا المصمم أو دار الأزياء التى يملكها يذهب الجزء الأكبر من ثمن مايوه باريس الذى سيكون أكبر و أكبر (الثمن لا المايوه) كلما كان عدد المنتج من نفس تصميمه أقل و أقل و هى عملية تبدو عكس المنطق لأنها تعنى أنه كلما قل الإنتاج زادت الأرباح!!

دعنا نترك مايوه باريس جانبا لبعض الوقت حيث أنه قد يمثل للبعض إلهاءا يحول دون تركيزهم فيما أحاول شرحه .. و بينما تستمتع باريس بحمامها الشمسى ننتقل إلى مصر التى لا تخلو بدورها ممن يستمتعون بحمامات الشمس على حواف حمامات السباحة .. فى الواقع شهدت مصر فى العقود الأخيرة نهضة عمرانية لافتة فطوال هذه العقود كان قطاع البناء و التشييد هو أكثر القطاعات الإقتصادية نشاطا و أعلاها نموا .. و لكن فى المقابل يبدو أن مشكلة الإسكان فى نفس الفترة الزمنية قد إزدادت تفاقما بدلا من أن يخفف منها تزايد المعروض من المساكن!!

أغلبنا يعرف السبب و هو أن الغالبية العظمى من العرض فى سوق المساكن يتمثل فى الإسكان الفاخر بينما الغالبية العظمى من الطلب تستهدف الإسكان الإقتصادى و المتوسط .. و السؤال مرة أخرى لماذا لا يتجه الإنتاج و العرض نحو السوق الأكبر؟

دعنا نفترض أن معدل الربح ثابت بغض النظر عن مستوى الإسكان .. فى هذه الحالة سيكون بناء عشر وحدات إقتصادية مكافئا لبناء أربع وحدات متوسطة أو وحدة فاخرة و فى المقابل سيكون تسويق الوحدات العشرة الإقتصادية أكثر سهولة و بالتالى ستكون دورة التمويل أسرع فلماذا لا يكون بناء الوحدات الإقتصادية أكثر إغراءا؟

الإجابة أن الفرضية الأولى خاطئة تماما فمعدل الربح ليس ثابتا على الإطلاق .. و مع ملاحظة أن أغلب الوحدات السكنية يتم تسويقها بدون تشطيبات فإن تكلفة بناء وحدة فاخرة يكاد يتساوى مع تكلفة بناء وحدة إقتصادية إذا ما إستبعدنا قيمة الأرض ولذلك قد يصل معدل الربح فى الوحدات الفاخرة إلى 200-300%!!

ما الذى نستنتجه مما سبق؟ ..

ليس قانون العرض و الطلب بالبساطة التى يرغب البعض فى أن نفهمه بها .. فى إطار الصورة الوردية للإقتصاد (الحر) يمكن لكل إنسان أن يحصل على إحتياجاته الأساسية فى حدود قدراته لأن إنخفاض أو إرتفاع سعر السلعة ليس هو العامل الوحيد الذى يشجع على إنتاجها و يفترض أن كثافة الطلب على سلعة ما سيؤدى إلى زيادة إنتاجها حتى إذا إنخفض سعرها لأن معدل الإستهلاك سيعوض إنخفاض السعر و يرفع الأرباح .. و يفترض وفق هذه الصورة أن يحصل الفقراء على إحتياجاتهم لأن كثرة أعدادهم ستجعل إنتاج سلع لهم أمرا مربحا ..

فى الواقع لا تتعلق الأرباح بمعدل الإستهلاك و إنما تتعلق بنمط الإستهلاك .. فإنتاج قطعة مايوه واحدة ستحقق ربحا هائلا إذا كانت تتوافق مع نمط إستهلاك فئة من الناس تعتبر الحصول على ثياب من ماركة مشهورة أمرا ضروريا و بناء الإسكان الفاخر سيحقق عشرات أضعاف الربح الذى يحققه بناء إسكان محدودى الدخل لأن زبائنه يدفعون فى مقابل الموقع و مستوى المنطقة و قربها من مناطق الأعمال و التسوق و الترفيه ..

العرض إذن لا ينشأ لتلبية أى طلب و لكنه يتجه إلى تلبية الطلب الذى يحقق أكبر عائد ممكن و هذا الطلب لا تخلقه إحتياجات الفقراء الأساسية و إنما تخلقه تطلعات الأثرياء الكمالية .. الإقتصاد (الحر) ليس فى الواقع حرا تماما أو هو ليس حرا لكل الناس بنفس القدر .. فهو أكثر حرية كلما إزدادت قدرتك المادية و هو أقل حرية كلما إنخفضت هذه القدرة و فى الواقع هو ليس حرا على الإطلاق بالنسبة للمعدمين..

اللعبة

أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة و لكنى أؤمن بوجود شبكة من المصالح الدائمة و التى لها عدد محدد من الأهداف تسعى بشكل مستمر و حثيث لتحقيقها .. شبكة المصالح هذه لا تحتاج إلى خلق مؤسسات دائمة لتمثيلها بشكل مباشر و لكنها ترعى وجود مؤسسات تخدم أغراضها تحت لافتات مختلفة .. و بالنسبة للمتابع تبدو المؤسسات و لافتاتها هى اللاعب الرئيسى و الحقيقى على الساحة و يبدو عملها و كأنه يتم فى إطار خطة قد وضعت سلفا و لذلك تظهر نظريات المؤامرة و ترتبط باللافتات و الأهداف المعلنة للمؤسسات الظاهرية و يصبح بالإمكان بث قناعات محددة لدى جموع من الناس بأنهم طرف فى صراع و أن لهم أعداءا يهددون مصالحهم أو نمط معيشتهم أو وجودهم ذاته..

كيف تتم هذه اللعبة و تتكرر مرات و مرات عبر عقود متعاقبة؟ .. ببساطة لأن تركيبة المجتمعات الإنسانية قد تم صياغتها عبر سنوات وفق التاريخ السابق للعبة ذاتها بحيث أصبحت اللعبة جزءا من النسيج الثقافى لتلك المجتمعات و من ثم جزءا من ممارسة هذه المجتمعات لحياتها اليومية .. لم تعد اللعبة فى حاجة إلى لاعبين أو محكمين فهى تعيد إنتاج ذاتها يوميا و قواعدها جزء من نسيج حياة الأفراد اليومية .. فى واقع الأمر نحن جميعا مستعبدون لذلك الإله الخفى الذى يمارس وجوده من خلالنا و يتصرف فى عالمنا من خلال أفعالنا التى نظن خاطئين أننا نقوم بها بكامل إرادتنا و أن لنا مطلق الحرية فى أن نفعل أو لا نفعل..

شبكة المصالح الدائمة التى ذكرتها فى البداية ليست فى حاجة إلى الحفاظ على وجودها لأن المجتمع نفسه يعيد إنتاجها فى كل صباح و لو تخيلنا أن جماعة من البشر إنعزلت على جزيرة بعيدة عن العمران و فاقدة للإتصال بأى مجتمع بشرى آخر فإن هذه الجماعة سوف تعيد بناء شبكة المصالح الدائمة الخاصة بها فى سعيها إلى إعادة بناء مجتمعها على النسق الذى إعتاده أفرادها ..

لا سبيل إلى الخروج من اللعبة إذن إلا إذا إمتلكنا الإرادة الكافية لإعادة النظر فى الطريقة التى تنبنى بها مجتمعاتنا و تتشكل بها العلاقات بين أفرادها و مؤسساتها .. سبيل الخروج من اللعبة هو أن نتوقف عن إعادة إنتاجها بأن نختار العيش وفق قواعد جديدة غير قواعدها .. وقتها فقط سيكون بإمكاننا أن نعيش الحياة لا أن تعيشنا اللعبة..

إيش عرفك إنت؟

نوارة نجم بدأت منذ الأمس على مدونتها “جبهة التهييس الشعبية” حملة بعنوان “إيش عرفك إنت؟” .. الحملة لها الآن جروب على الفيس بوك بنفس الإسم ..

السؤال موجه إلى السيد جمال مبارك الذى تشير دلائل كثيرة إلى أنه يطمح و يحلم بأن يرث عن أبيه حكم مصر التى هى على قدر معلوماتى المتواضعة بلد يحكمه نظام جمهورى و لكن هذه الحقيقة لا تبدو عائقا يحول دون أن يداعب الحلم جمال و صحبه و مؤيديه ..

يمكنك أن تقرأ فى تدوينات نوارة عن الحملة و على موقع الجروب العديد من التساؤلات طرحتها هى و زوار مدونتها و أعضاء الجروب .. جميع التساؤلات تبدأ ب”إيش عرفك إنت ؟” ثم تمضى لتطرح واحدة من مشكلات الناس العاديين أو واحدة من صور معاناتهم اليومية و الحياتية .. و السؤال العام هو إذا كان جمال لا علم له بتلك الشاكل أو صور المعاناة فكيف يمكنه أن يحكم هذا البلد و يكون مسئولا عن إيجاد الحلول و تنفيذها و عن رفع المعاناة و تخفيفها..

و لكن الأمر أبعد من ذلك ..

جمال لا يعرف لأنه لم يسبق له أن مر بمشكلة أو شعر بمعاناة .. و جمال لا يعرف لأنه غير مهتم بأن يعرف .. لم يخطر ذلك بباله و أغلب الظن أنه لن يخطر يوما بباله .. فإذا حدث و فرضت المعرفة عليه فرضا فلن يفهم المشكلة أو المعاناة و إن فهمهما فلن يحس بأيهما .. ببساطة ليس الرجل مؤهلا للفهم و ليس مؤهلا للإحساس بمشاكل البسطاء و معناتهم .. ليس فقط لأنه ليس منهم و لم يكن يوما منهم و لم يعش يوما بالقرب من أحدهم و لكن لأنه ليس مهتما بهم و لم يكن يوما مهتما بهم و لن يكون يوما مهتما بهم ..

و لكن الأمر مايزال أبعد من ذلك ..

جمال لا يعرف و لا يفهم و لا يحس .. و هو لن يعرف و لن يفهم و لن يحس لأنه من مصلحته و مصلحة من يسهرون على تحقيق مصلحته أن يتجنب المعرفة و الفهم و الإحساس .. فالمشاكل و المعاناة هما إما من صنعه فى خمسة أعوام كان فيها يدير شئون البلد من خلف ستار شفاف لا يترك مجالا للشك فى أنه صاحب اليد التى بها كثير من مقاليد الأمور .. و إما أنه قد أسهم فى تفاقمهما .. و المشاكل و المعاناة هما إما من صنع أبيه طوال 29 عاما من الحكم أو أنه أسهم فى تفاقمهما ..

لم يحدث ذلك صدفة أو إعتباطا .. و لكنه حدث لأن جمال قد إختار أن يربط مصالحه بفئة بعينها و إختار أن يستمر فى توجيه سياسات هذا البلد بحيث تخدم مصالح هذه الفئة و هذا فى مقابل أن يكون أفراد هذه الفئة فى خدمته و فى خدمة الإعداد لتوريثه ثم فى خدمة تثبيت حكمه و ضمان إستمراريته..

على كل منا أن يدرك هذه الحقائق بوضوح كامل .. لا يوجد أى مبرر لإنتظار أن يعمل جمال على إصلاح أى شيئ .. فهو أولا قد أتيحت له الفرصة فعليا طوال خمسة أعوام فلم يصلح شيئا و لم يظهر نية لإصلاح شيئ بل برهن على العكس من ذلك .. و هو ثانيا لا يوجد ما يدفعه إلى الإصلاح بل على العكس من ذلك هو على يقين بأن الإصلاح سيضر به و بمصالحه و ربما هذه هى المعلومة الصحيحة الوحيدة التى يعرفها و سط القدر الهائل من المعلومات الزائفة التى يحملها رأسه..

إذا كنت تعانى فأعلم أن توريث جمال لن يؤدى إلى التخفيف من معاناتك بل هو يقينا سيزيد وطأتها و يضيف إليها ألوانا جديدة من المعاناة ..

إذا كنت بحمد الله معافى من المعاناة فأعلم أن توريث جمال لن يترك لك أن تهنأ بدوام تلك الحال و إنما مصيرك يقينا أن تتذوق مرارة المعاناة و تعيشها..

إذا كنت ممن يستفيدون من سياسات جمال و صحبه و تتطلع إلى المزيد من الإستفادة فلن أطالبك حتى بملاحظة أن إستفادتك يدفع ثمنها الملايين من المحرومين و من يعانون ضيق الحال و ذل الخوف و عدم الأمان و لكنى أؤكد لك أن توريث جمال سيؤدى يقينا إلى أن يقصر عمر إستفادتك و متعتك .. فهو ليس مؤهلا لحماية مصالحك و ليس مؤهلا لتوقع أثر سياساته على بلد لا يعرف عن الغالبية الساحقة من سكانه أى شيئ فكيف يمكنه أن يعرف كيف ستكون ردود أفعالهم و ما هى حدود صبرهم و قوة تحملهم؟ .. كن على ثقة بأنه سيمضى بهذا البلد إلى هاوية الفوضى و يجعل من مصالحك بل و منك أنت نفسك و من أولادك ضحايا لتلك الفوضى..

توريث جمال هو صفقة خاسرة للجميع حتى هو نفسه و لكنه للأسف ببساطة و بكل وضوح .. ما بيعرفش ..

يطرح آدم هورويتز هذا التساؤل فى مقال له على موقع Mondoweiss :

كتب آرى شافيت مقالا مثيرا للإهتمام فى هاآريتز يردد أصداء توجه بدأ يكتسب إنتشارا مثيرا للدهشة – “شرعية الدولة العبرية فى خطر” .. شافيت [...] يقدم بوضوح التحدى الذى يواجه إسرائيل و الصهيونية – “الحركة القومية التى بدأت كشرعية دون كيان تتحول أمام أعيننا إلى كيان بلا شرعية.”

أقول أن هذا مدهش لأنه و كما يشير شافيت لم تكن إسرائيل يوما أكثر قوة أو نفوذا مما هى اليوم .. و لكن على الرغم من التفوق العسكرى الكاسح لإسرائيل فإن هذه القوة هى مجرد بيت من ورق إذا لم تتوفر شرعية إستخدامها ففى حين كانت إسرائيل يوما ما قادرة على إستخدام مزاياها الإستراتيجية دون أن تكون عرضة للعقاب فإن هذه القدرة العسكرية مهددة بأن تصبح غير ذات قيمة فى أعقاب مذبحة الحرب على غزة (و يمكننى إضافة الحرب على لبنان 2006) .. تقرير جولدستون و حركة المقاطعة BDS المتنامية تضع إسرائيل فى موقع المحاسبة بشكل لم يحدث من قبل .. أضف إلى ذلك تحول الخطاب حول الصراع الإسرائيلى الفلسطينى بحيث تثار أوجه الشبه بنظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا بشكل يتزايد يوما بعد يوم فتجد إسرائيل نفسها اليوم على وجه متصاعد تحاول أن تبرر الإستخدام المبالغ فيه للقوة بهدف الحفاظ على وضع قائم يجده الناس غير مبرر..

فى إعتقادى ليس تقرير جولدستون هو نقطة التحول بل هو النقطة الأكثر تميزا فى الوقت الحاضر على أفق للتحول يتنامى كل يوم .. بعض معالم هذا الأفق يشير هورويتز إليها و منها حركة مقاطعة إسرائيل التى تكتسب مع كل يوم أرضا جديدة و تتردد أصداء التضامن معها من أستراليا فى أقصى الجنوب و الشرق و حتى كندا فى أقصى الشمال و الغرب مرورا بالنرويج و غيرها .. و منها أيضا ذلك التوجه نحو ملاحظة أوجه التشابه بين الكيان الصهيونى و بين نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا .. و هذا عنصر شديد الأهمية من أكثر من جانب .. فهو أولا يهدم تلك الصورة الزائفة لإسرائيل بوصفها الديموقراطية الوحيدة فى قلب إقليم تتنازع السيطرة عليه أنظمة إستبدادية ذات أصول عسكرية فى مواجهة حركات إسلامية متطرفة ذات ميول فاشيستية .. و لكنه ثانيا و بشكل أكثر أهمية يلمح إلى رؤية مغايرة للأمر الواقع على الأرض .. هذا الواقع لا يتعلق بدولة ديموقراطية تحتل إضطراريا أرض الغير دفاعا عن أمنها بل إنه يتعلق بنظام يطبق سياسة فصل عنصرى على أرض يتشارك العيش فيها شعبان .. فى ظل هذه الرؤية لا يعود حل الدولتين الذى مازال الإجماع الدولى متمسكا به أمرا قابلا للتصور أصلا .. فالأمر الواقع لا يدع مجالا للشك فى أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة و ذات السيادة على فتات الأرض فى الضفة الغربية و غزة هو محض خيال سقيم .. و لا عجب إذن فى أن حل الدولة الواحدة من النهر إلى البحر قد أصبح اليوم موضع إهتمام أكثر من أى وقت مضى..

ليس حل الدولة الواحدة مجرد بديل نظرى بل إن آليات تحقيقه قد بدأت عملها بالفعل .. لأنك إذا جمعت حركة المقاطعة مع رؤية تشبيه الكيان الصهيونى بنظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا لا يمكنك أن تتجاهل الدور الذى قامت به حركة المقاطعة العالمية فى إسقاط هذا النظام و لا يمكنك أن تنحى جانبا إمكانية تحقيق النتيجة ذاتها على أرض فلسطين .. واقع الأمر أن هذه الإمكانية تتحول يوما بعد يوم إلى حتمية لن يكون بالإمكان إستنقاذ الدولة العبرية منها إلا بإبرام إتفاقية تقام بموجبها الدولة الفلسطينية .. و لكن هذا تحديدا ما ترفض إسرائيل فعله أو تحاول تأجيله إلى اليوم الذى تستكمل فيه مخططها لإستقطاع أكبر مساحة ممكنة من أرض الضفة و هو مسعى إن أتمته فإنما تقضى على أى أمل ممكن فى إبرام هذا الإتفاق..

بإختصار ليس ثمة من ينبغى أن نشكره أكثر من إسرائيل نفسها .. فمن بين الجميع لا أحد يسهم أكثر منها بالجهد الأكبر الذى من شانه أن يمحوها كدولة يهودية عنصرية من الوجود .. إسرائيل تحفر قبرها بيديها و تلف بحماس شديد حول عنقها ذلك الحبل الذى سيزهق روحها ..

لا يعنى ذلك بالطبع ان كل ما علينا فعله هو أن نجلس فى مكاننا بإسترخاء لنشهد عدونا يمارس ميوله الإنتحارية و نتشفى فيه .. ثمة الكثير لنفعله .. و لكن بينما نفكر سويا فى ما يجب أن نفعل ربما نكتفى حاليا بذكر ما لا ينبغى لنا أن نفعله و هو تحديدا أن نسمح لعباس و حاشيته فى السلطة المزعومة أن يسلموا إسرائيل على طبق من ذهب صك براءتها مصحوبا بدليل نجاتها من مصيرها المحتوم .. و على الرغم من أنى لا أعتقد أن إسرائيل راغبة فى تقبل الهدية إلا أن الأوفق ألا يكون العرض قائما فى الأساس .. بإختصار .. أولا و قبل أى شيئ آخر .. عباس و دحلان و عريقات و بقية جماعة السوء ذوى الوجوه الكالحة و السمعة القذرة ينبغى أن يختفوا من الصورة حتى يكون بالإمكان أن يختفى الأفق الكاذب و نرى بدلا منه الأفق الحقيقى..

حرب النقاب

هو موسم حرب النقاب من جديد إذن!! .. ما وجه العجب ؟ .. ألا تعيش بلادنا ربيع القيم الإسلامية و يسود بين أبنائها تلك الروح الإيمانية الراقية .. ألا يتعامل أفراد هذا المجتمع بلغة الصدق و الأمانة و الإيثار و تحكم أفعال كل منا تقوى الله و خشيته .. لا ينقصنا الآن إذن إلا أن نستكمل ذلك المظهر الإيمانى الذى به يكتسى مجتمعنا صورته التى يستحقها كمجتمع مسلم حقيقى .. لابد إذن من أن تنتقب نساؤنا فقد إكتمل بناء صرح إسلامنا إلا من هذه اللبنة الأخيرة فلنضعها إذن و نتوكل على الله ..

فى المقابل ألا يعيش مجتمعنا ربيع الحرية؟ .. ألا تسوده قيم حقوق الإنسان و تحكمه دولة سيادة القانون و المؤسسات التى تحكم بإرادة الشعب .. ألم تختفى منذ زمن من بلادنا المعتقلات و لم نسمع بأن أحدا إنتهكت حقوقه أو آدميته منذ سنين .. ألم نحقق العدالة الإجتماعية و التلاحم بين الطبقات فأمكننا أن ننطلق فى مضمار التفوق و العلم و بناء الدولة الحديثة .. لابد إذا للمنتقبات أن يتخلين عن هذا المظهر الأخير من مظاهر التخلف فى بلادنا المتقدمة المزدهرة .. لابد أن تخلو صورة بلدنا العصرى المتقدم من تلك اللطخة الأخيرة من مخلفات العصور الوسطى .. هذه هى معركتنا الأخيرة إذن فلم يعد ثمة ما نحارب ضده إلا قطعة القماش هذه..

أيها السادة المقاتلون بإسم الإسلام و المقاتلون بإسم الحرية و لم تجدوا ساحة للوغى إلا ثياب النساء .. جتكوا ستين نيلة .. إمشى ياله إنته و هوه روحوا إلعبوا قدام بيتكوا جبتولنا المرض ..

فضيحة الجزيرة و أردى..

نشرت شبكة الجزيرة على موقعها بالأمس موضوعا بعنوان ” أردى تطعن بصحة نظرية داروين” .. الموضوع بمختلف تفاصيله يعد فضيحة حقيقية للجزيرة .. و حتى لا يقفز أحدهم إلى أى إستنتاجات خاطئة فلست أعنى بالفضيحة إنكار نظرية التطور أو الإعتقاد بخطئها .. فمن حق أى إنسان أن يتخذ موقفا مع أو ضد أى نظرية علمية لم تثبت صحتها بشكل يقينى .. و حتى يشعر كارهوا داروين و نظريته بمزيد من الراحة فيسرنى أن أقول لهم أن نظرية التطور يستحيل أن يتم إثباتها علميا بشكل يقينى و لكن هذا موضوع آخر ..

الفضيحة فى موضوع الجزيرة تتعلق بالتدليس الذى إن كان مقصودا فتلك مصيبة أما إن كان غير مقصود – و هو ما أظنه – فالمصيبة للأسف أكبر لأن ذلك يدل على جهل فادح من كاتبى الموضوع و كل من مر عليهم قبل أن يتم نشره .. فالمؤكد أن الكشف عن أردى لا يطعن فى صحة نظرية التطور من قريب أو بعيد و مجرد تصور ذلك دليل على أن معدى الخبر لا علم لهم مطلقا بماهى نظرية التطور كما أنهم لم يتمكنوا من فهم خبر الكشف عن أردى كما نقلته وكالات الإعلام العالمية و تحدثت عنه الصحف و المجلات فى الخارج..

كاتبوا الموضوع و جمهور المعلقين عليه يعيشون فى وهم الصورة الشعبية عن نظرية داروين و التى تعتقد أن النظرية تقول أن أصل الإنسان قرد أو تحديدا الشمبانزى الذى مازال يعيش فى الغابات فى يومنا هذا .. و لكن الحقيقة أن النظرية لم تقل شيئا من هذا القبيل و لم يحدث أن قال أحد علماء الأحياء ذلك و ليس جديدا على الإطلاق أن ينفى العلماء هذه المقولة المتفق على نفيها منذ عقود طويلة و لذلك فتهليل الموضوع و المعلقين عليه هو كله دليل على سوء فهم تسبب فيه الجهل بالحقيقة..

نظرية التطور لمن لا يعرفها تقوم على مقولتين أساسيتين: الأولى أن الأنواع المختلفة للكائنات الحية تتطور عبر ملايين السنين منتجة أنواعا جديدة و بالتالى فإن تلك الأنواع التى نراها اليوم قد تطورت جميعها عن أصل واحد عبر مسارات مختلفة .. المقولة الثانية هى أن مايوجه تطور الأنواع هو الإختيار الطبيعى أو ما يتم التعبير عنه بمقولة البقاء للأصلح أو الأكثر ملاءمة..

ما يعتقده علماء الأحياء هو أن كلا من الإنسان و الشمبانزى أبناء عم أى أن لهما جد مشترك .. المعتقد أن ذلك الجد المشترك قد عاش قبل 7 ملايين سنة و كان المعتقد أيضا أن هذا الجد أقرب فى صفاته إلى الشمبانزى مما يعنى أن الإنسان كانت رحلة تطوره أطول من رحلة تطور الشمبانزى .. الكشف عن أردى أحدث تغييرا فى هذا التصور فأردى قريبة من عهد الجد المشترك و فى نفس الوقت هى قريبة الشبه بالإنسان لا الشمبانزى و هذا يعنى أن الجد المشترك كان أقرب شبها بالإنسان من الشمبانزى و بالتالى فإن الشمبانزى قد قطع رحلة تطور أطول من تلك التى قطعها الإنسان .. بمعنى آخر أردى تقول لنا أن الشمبانزى أكثر تطورا من الإنسان..

المهم هنا أن أردى التى تنتمى إلى نوع مختلف عن نوع الإنسان المعاصر هى سلف لذلك الإنسان .. أو على الأقل هذا ما يقوله الخبر و هذا مانقله موضوع الجزيرة و هلل له المعلقون عليه .. و هذا ببساطة يعنى أن نوعا مختلفا قد تطور و أنتج الإنسان المعاصر و ذلك تحديدا ما تقوله نظرية التطور .. و يبدو أن أصحاب الموضوع و المعلقون المتحمسون قد أقروا بنظرية التطور من حيث لا يدرون؟! ..

مرة أخرى يحق لأى إنسان أن يكون له رأيه الرافض لنظرية علمية ما .. و لا يمكننا أن نحاسب الناس جميعا على جهلهم بحقيقة نظرية ما فليسوا جميعا من المتخصصين أو من المثقفين خاصة و أن مفهوم الثقافة العامة فى بلادنا لا تدخل فيه المعرفة العلمية .. ما لا يمكن قبوله هو أن تكون مؤسسة إعلامية بحجم الجزيرة مرتعا لمثل هذا القدر من الجهل بحيث لا يكون بإمكان أحد فيها أن يفهم خبرا علميا على وجهه الصحيح .. و ما لا يمكن قبوله هو أن تسمح تلك المؤسسة لنفسها بمداعبة المشاعر الساذجة لمتابعيها بخبر غير صحيح تسهم من خلاله فى ترويج الجهل بل أكثر من ذلك ترويج الحماسة للجهل و العداء الأعمى للعلم و هى صفات لم تعد متفشية فقط بين العامة ممن حرموا فرصة التعليم بل هى متفشية أيضا بين حملة الشهادات العلمية التى أصبحت فى بلادنا لا تستحق ثمن الورق الذى كتبت عليه..

هل لديك فكرة عن آخر تطورات أحداث العنف فى العراق؟

حسنا لا داعى لأن ترهق عقلك كثيرا .. سأتطوع عنك بالإجابة التى يشترك فيها كثيرون منا : “لقد توقفت عن المتابعة اليومية لحصيلة القتلى و الجرحى فى التفجيرات و العمليات العسكرية .. كل ما أعرفه أن هناك مزيد فى كل يوم .. بعض العمليات تقوم بها حركات المقاومة و تتوجه إلى قوات الإحتلال الأمريكى أو عملائه و البعض الآخر يقوم به حركات ذات أهداف طائفية و يوجهون هجومهم نحو المدنيين فى الأسواق و المساجد و الحسينيات” ..

يقال أننا بطول الوقت و مع تكرار الحوادث المتشابهة قد إعتدنا العنف و نتائجه و لم نعد نهتم به أو ننزعج له .. قد يكون هذا صحيحا و لكن ليس تماما فثمة عامل آخر فى المسألة و هو آلية دفاعية نستخدمها لا شعوريا عندما نصل إلى حد التشبع من المعلومات ذات الأثر السيئ على مشاعرنا و عقولنا فننصرف تلقائيا عن تلقى تلك المعلومات كنوع من حماية الذات من آثارها المدمرة ..

النتيجة واحدة على أى حال .. لقد سقط العراق من قائمة إهتمامات معظمنا اليومية أو أصبح ترتيبه متأخرا جدا على هذه القائمة .. و مع تلك النتيجة تأتى نتائج أخرى و لكنها ربما أكثر خطرا .. فقد إسترحنا إلى توصيف الوضع فى العراق بشكل مبسط إلى درجة إغفال حقيقة الواقع شديد التعقيد و بالتالى فنحن نميل إلى إلصاق بطاقات تعريف عامة بكل حادثة نسمع بها .. فهذه عملية إرهابية و تلك عملية فدائية و هذا هجوم أمريكى وحشى و تلك قرارات خيانية للحكومة العميلة .. إلخ

قد تكون البطاقات العامة هذه صحيحة فى عموميتها و لكنها فى أحيان كثيرة تخفى خصوصية نغفلها رغم خطورة ما تشير إليه .. و حتى لا تطول هذه المقدمة أكثر مما ينبغى دعنا ننظر فى شأن بعض التفجيرات التى هزت مدن العراق فى أعقاب إنسحاب القوات الأمريكية من تلك المدن و تسليمها مهمة تأمينها كاملة إلى قوات الجيش و الأمن العراقيين .. هل تبدو جميع تلك التفجيرات و الحوادث متشابهة و فى إطار سياق واحد دلالته الوحيدة هى فشل الحكومة العراقية فى تحمل مسئولية تأمين المدن العراقية ؟ .. ربما ينبغى أن نتروى قبل الإجابة على هذا السؤال ..

فى مقال بعنوان “لنخرج الآن!” يعطى جاستين رايموندو إهتماما خاصا لأحداث العنف فى شمال شرقى العراق و هى المنطقة التى تشمل كردستان العراق و المناطق المحيطة بها مباشرة .. و هو يتشكك فى صحة تصريحات قوات الإحتلال الأمريكى عن هذه الأحداث و نسبتها إلى عناصر القاعدة العاملة فى العراق .. و لا يصل رايموندو إلى تلك النتيجة من فراغ فهى إنما تأتى فى سياق تحليله لصراع داخلى ذو أهمية كبيرة و يبدو أن مايبدو منه فوق السطح ليس إلا قمة جبل الجليد الذى يهدد بتفجير الموقف فى العراق أكثر كثيرا من أى شيئ شهدناه سابقا!

يشير رايموندو فى بداية مقاله إلى رغبة الحكومة العراقية فى تعديل موعد الإنسحاب النهائى للقوات الأمريكية من العراق و تقريبه إلى ماقبل عام 2011 الذى حددته إدارة أوباما ..

“بدا أن هذا التحرك قد أخذ واشنطن على حين غرة و التوقيت قد لا يكون ثمة ماهو أسوأ منه بالنسبة لإدارة أوباما و بالنسبة للسلام الإقليمى فى المستقبل فى الوقت الذى إزدادت فيه حدة التوتر بين الأكراد و بين الحكومة المركزية فى بغداد حول مدينة كركوك المتنازع عليها”

أظن أنه بتقدير متفائل فإن البعض فقط هم من لم يكن لديهم علم بأن ثمة مدينة و ربما مدنا عراقية متنازع عليها داخل العراق الذى ربما يظنه البعض أيضا موحدا و إن كانت وحدته مهددة .. حسنا فالينفض هذا البعض عنه أوهامه و ليتابع التالى:

“لقد عانى الأكراد لوقت طويل تحت وطأة الحكومة العراقية فى عهد صدام و الآن فى عهد المالكى .. و لكن طوال فترة “منطقة الحظر الجوى” التى فرضتها الولايات المتحدة (فى أعقاب عاصفة الصحراء 1991 و حتى الغزو الأمريكى 2003)، كانوا بحكم الواقع أمة مستقلة .. و منذ الغزو الأمريكى دافعوا بحمية عن هذا الوضع رغم برغم إعتبار أرضهم رسميا مقاطعة أو بتعبير أدق ثلاث محافظات عراقية .. و اليوم يتم إستثارة هذه الحمية الوطنية الكردية بسبب محاولات الحكومة العراقية أن تفرض قرارها على الأكراد بخصوص مسألة تم تأجيل البت فيها لوقت طويل”

“ثمة ثروات بترولية ضخمة حول مدينة كركوك ذات المكانة الخاصة فى قلوب الأكراد .. فهم يعتبرونها (أورشليم) الخاصة بهم و العاصمة الطبيعية للدولة الكردية المستقلة .. و قد تعرضت المدينة لبرنامج (تعريب) طوال سنوات حكم البعث و بعد الغزو ظلت خارج الإقليم التركى و ترك أمر تحديد الوضع النهائى لها للمستقبل .. حسنا لقد حان الوقت و لذا فإن العنصرين الأكثر إثارة للإضطراب فى السياسة و خاصة فى سياق تنوع الشرق الأوسط و هما العاطفة و المال يندمجان لينتجا إنفجارا قد يرسل بالبلاد كلها تتدحرج إلى هاوية الفوضى”

هل بدأ أنفك يلتقط رائحة تواز أو إشارات ذات دلالة .. لقد إخترت متعمدا أن آتى بإسم أورشليم و لا أستبدله بالقدس لأن الكاتب بلا شك كان يعنى أورشليم بما يعنيه و يحمله الإسم من دلالات فى تضاد واضح مع الإشارة إلى عملية (تعريب) كركوك فى العهد البعثى .. لتحتفظ بالفكرة فى رأسك فالآتى أوضح ..

“لقد كان ثمة العديد مما يقترب من وصفه بمواجهات بين الجيش العراقى و قوات البشمرجة الكردية و قد حركت الولايات المتحدة قواتها إلى الشمال تحديدا للحيلولة دون إندلاع مثل هذه المواجهة”

و لكن الحكومة العراقية لا تريد ذلك .. هذا ما يراه الكاتب فليست مطالبة الحكومة العراقية بتعديل موعد الإنسحاب مع إقتراب الإنتخابات متعلقة فقط بالتنافس بين القوى السياسية العراقية للظهور بمظهر الرافض للإحتلال .. ثمة ما هو أكثر من ذلك:

“الدستور العراقى ينص على وجوب إجراء تعديل فيما يخص وضع كركورك التى رغم أنها لم تضم رسميا إلى إقليم كردستان فإن أعدادا كبيرة من قوات البشمرجة تتمركز فيها .. ثمة جدول زمنى محدد و كان من المفترض أن يتم التعديل فى ديسمبر 2007 و لكنه تم تأجيله فقط لأن الحكومة العراقية ليست مستعدة للتخلى عن كركوك و بترولها بسهولة”

“الأكراد على الجانب الآخر لا يقلون تصميما بل أكثر من ذلك هم مستعدون للحرب و هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى زيادة قواتها فى المنطقة”

فى تقريريستشهد به الكاتب للأمريكان ساينس مونيتور حول الإنتخابات التى عقدت مؤخرا فى إقليم كردستان العراق نجد توضيح أكبر لمسألة النزاع الكردى العربى حول كركوك كما نطلع على مواقف قادة أكراد من هذا النزاع:

“توقعوا الحرب!” هكذا يقول خسرو غوران الذى كان نائب حاكم الموصل حتى فقد الكرد سيطرتهم على المحافظة فى آخر إنتخابات محلية هناك و هو يستطرد قائلا “لقد أريقت دماءنا طوال 80 عاما فى سبيل هذه الأرض و نحن لن نستسلم”

و ينقل التقرير عن خسرو أيضا قوله “لو أنه كانت لنا حدود مع دولة محايدة مثل إسرائيل أو أرمينيا أو أوكرانيا لكان ذلك أفضل لنا .. لو أن بننا و بنهم (عرب العراق) محيطا لكان ذلك أفضل لنا”..

هل إسترعت الإشارة إلى إسرائيل إنتباهك؟ .. لا أظنها تضيف جديدا فأغلبنا يعلم أن لإسرائيل أصابع و أياد و أقدام تعبث فى الشأن العراقى و أن مدخلها الأوسع هو كردستان و لكنى أقول لك أن معرفتنا هذه هى أقرب إلى الجهل إذا لم تتخطى العموميات و السطح إلى التفاصيل و العمق .. فالأمر أكبر من الإشارات الدالة أو زلات اللسان المعبرة و لنعد إلى مقال رايموندو فهو لا يتركنا عند مرحلة التخمين مطلقا .. و لنلتقط الخيط من حيث بدأنا أى بتلك التفجيرات و أحداث العنف فى شمال العراق و تحديدا فى محافظة نينوى:

“محافظة نينوى هى منطقة ملتهبة أخرى فى الصراع بين النظام (الشيعى) و بين الأكراد.. التفجيرات الأخيرة فى المحافظة تنسبها الولايات المتحدة إلى القاعدة و لكن ذلك ربما يكون تبسيطا ساذجا.. فبشكل عام لكل طرف من طرفى الصراع الأساسيين – الأكراد و الحكومة الشيعية – أسبابه لبث الإضطراب فى المنطقة و ثمة لاعبون آخرون أيضا .. فبجانب الأقليات التى تعيش فى الإقليم – السريان و الزرادشتيين و التركمان و غيرهم – و التى تعرضت لقمع فظيع من الأكراد ثمة لاعب آخر لا يكاد يتم ذكره فى التقارير الحديثة و هو الإسرائيليون”

يشير الكاتب إلى تقرير قديم يعود إلى عام 2004 لمجلة النيويوركر عن الوجود الإسرائيلى فى كردستان ثم يشير إلى تقرير آخر يعود إلى عام 2006 للبى بى سى عن تدريب إسرائيل لقوات البشمرجة الكردية ثم يقول:

“لقد أستثمروا (الإسرائيليون) الكثير من الأموال و الكثير من العمليات السرية فى كردستان حتى أقاموا تحالفا بحكم الأمر الواقع مع الحكومة الكردية المحلية و ذلك لضمان أنه فى حال ما إذا سقط العراق فى أتون حرب أهلية فإنه سيتم تأمين ما يعتبرونه مصالحهم المشروعة .. و لا يتطلب الأمر كثيرا من التفكير فيما إذا كان الإسرائيليون يعملون على بث الشقاق أو أنهم يتعاونون مع الولايات المتحدة للإبقاء على البناء الفيدرالى العراقى المزعزع .. فبطبيعة الحال يفضل الإسرائيليون أن يروا دولة كردية مستقلة أو على أقل تقدير إقليما كرديا ذو حكم ذاتى فعلى و ليس تحت سيطرة حكومة عراقية فى بغداد على علاقة أوثق مما ينبغى بإيران”

و بعدما يشير الكاتب إلى توتر العلاقات بين إسرائيل و الولايات المتحدة حاليا و هو ما نفهم منه أن إسرائيل أقرب من أى وقت مضى إلى التصرف منفردة دون العودة إلى واشنطن أو إنتظار ضوء أخضر منها يمضى إلى القول:

“فى ظل هذه الظروف فإنه من المتوقع أن تقدم إسرائيل على أى شيئ و هو ما يجعل تنبؤات دبلوماسى تركى بأن تتحول كركوك إلى سراييفو الشرق الأوسط أقرب إلى التحقق بمرور الوقت”

سراييفو لمن نسى هى بالطبع عاصمة البوسنة و الإشارة هى إلى حمام دماء تطهير عرقى يضطر المجتمع الدولى أو بمعنى أصح الولايات المتحدة إلى فرض إستقلال كامل لكردستان العراق كما إنفصلت البوسنة و كرواتيا عن الإتحاد اليوجوسلافى.. و لكن حتى هذا لن يكون النهاية المرضية .. ليس بالنسبة لإسرائيل و ليس بالنسبة للأكراد الذين يحلمون بكردستان الكبرى التى يمكنك أن تراها فى هذه الخريطة .. يمكنك أن تفهم لماذا يهتم مسئول تركى تحديدا بالأمر .. صراع الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستانى معروف و لكن تركيا قد تكون ضحية غير مقصودة لأن إهتمام إسرائيل الأكبر هو بكردستان إيران و سوريا..

ليست هذه هى نظرية المؤامرة .. نحن ننظر إلى وقائع تجرى بالفعل و يبدو أنه لم يعد ثمة ما يحول دون وصولها إلى نهاية حتمية .. و ليس الأمر و كأن طرفا واحدا يعبث و يتلاعب بالجميع لتحقيق أهدافه فكل اللاعبون مساهم فى الأمر و يسعى لمصالحه الخاصة أو ما يظن أن من شأنه تحقيق هذه المصالح .. الحكومة العراقية تسعى للتخلص من القوات الأمريكية بأسرع وقت ممكن ليس حبا فى زوال الإحتلال و لكن لأنها تظن أن تلك القوات هى الحائل الوحيد دون حسم نهائى لحربها الباردة مع الأكراد و لذلك فهذه الحكومة تدفع الأمور فى إتجاه الحرب الأهلية بنفس القدر الذى يدفعها به الأكراد الذين يحلمون بدولة تكون نواة حلمهم بكردستان الكبرى.. و قد يغضب البعض عندما أذكر أن إيران بدورها ليست فى موقف الحياد هنا فلا إستقلال الأكراد حلفاء إسرائيل يرضيها و لا وضعهم الحالى يريحها و من ثم فهى بالتأكيد تشجع أو على الأقل لا تثنى الحكومة العراقية عن عزمها على دفع الأمور إلى الحرب..

أين مصالح العرب و دورهم؟ .. غريب أن تتساءل .. أعنى ألا تسأل نفسك هذا السؤال .. لقد سودت ما يقرب من ثلاث صفحات حتى الآن و لم أذكر العرب إلا كمكون إثنى عراقى و لا أكثر من ذلك و إذا دققت فى الأمر فلن تجد أن من اللاعبين المشار إليهم إلا قسما من العرب العراقيين و هم شيعة العراق و الواضح أنهم و فى ظل العداء الطائفى المستحكم بينهم و بين سنة العراق أقرب إلى إيران منهم إلى أى طرف عربى .. و هذا وضع يميل بكفة الصراع مع الأكراد نحو نهاية التقسيم مما يجعلك تتساءل إن كانت أصابع إسرائيل تعبث فقط فى الشمال الكردى و محيطه أم أنها تمتد إلى غير ذلك من المناطق حيث الإرهاب المتبادل بين السنة و الشيعة .. الهدف واحد .. إستمرار العداء الطائفى يجعل نتيجة الصراع الإثنى أقرب إلى ما تتمناه إسرائيل .. و ليست إسرائيل ممن يتركون مصالحهم رهن الصدفة أو ممن ينتظرون دون حراك آملين أن تتدخل الأقدار فى مصلحتهم .. يبدو أن الصهاينة من أحفاد بنى إسرائيل قد وعوا الدرس القديم و تركوا لغيرهم القول “إذهب و ربك فقاتلا .. إنا هنا قاعدون”.. إقعدوا بالعافية ..

عبده نيمونك

بعدما نكدت عليكم و طفشتكم بمجموعة من التدوينات ثقيلة الدم قررت أن أقدح زناد فكرى و أحاول أن أكتب عن أمر مفرح.. فتحت الجرايد (عالنت طبعا) داخلية و خارجية بحثا عن أى خبر كوميدى و لكن أخف الأخبار اللى وقعت عليها كان من نوع الكوميديا السوداء يعنى اللى تخليك تفشخ ضبك و يجيلك كرشة نفس فى ذات نفس اللحظة ..

فكرت إنى أكتب عن موضوع الإستخدام العادل للنت لكن محاولاتى الأولى أسفرت عن كلام يعاقب عليه القانون بخلاف إن التدوينة كانت هتبقى طويلة زيادة و أنا مش عايز أضيع الكام جيجا اللى حيلتى خصوصا إنى بفكر جديا أنقل المدونة للتويتر و أبقى أكتب تدوينات 140 حرف بالكتير..

فكرت برضه أكتب عن الشاب الشجاع بظاظو اللى سأل بسلامته رئيس مجلس الغفرا سؤال محرج عن الفساد فرد عليه كعادته بإجابة محرجة أكتر من السؤال و مش عارف إن كان حد خد باله من إن إجابة أبوقطنة هى الخالق الناطق إجابة سرحان عبد البصير اللى قال:”لو كل واحد ساكنة تحتيه رقاصة عزل.. البلد كلها هتبات فى الشارع” .. المهم ماقدرتش أكتب عن الحكاية دى لأنى كنت بدور على شقة جديدة بدل ما أبات فى الشارع..

من الآخر كده مالقيتش حاجة تنفع و قررت إنى أرزعكم تدوينة سوداء بلون مية المجارى اللى بيرووا بيها الخضار فى دلتا مصر هبة النيل الخالد .. و لكن ربنا أراد أن يعفو عنكم فلايعرضكم لهذا المصير المؤلم ففى آخر لحظة و بعد ما توكلت على الله و حطيت مشبك على أنفى تمهيدا لفتح البكابورت .. قصدى الموضوع .. لقيتلك خبر بينطلى على التويتر أن أبشر يا مواطن و هلم (يعنى تعالى) و شمر و إستعد (هوه أنا كنت لابس شورت و فانلة لا مؤاخذة كت فمعرفتش أشمر بس إستعديت الحقيقة) .. إيه فين ليه ؟.. قالك ننوس عين ست الكل و إبن طويييييييييييل العمر قرر إنه يتعطف و يتكرم و يتنازل و ينحدر من علياء عظمة اللى خلفوه و يتصدق على السفلة و الرعاع من حرافيش المقروصة مصر المفروسة المحروثة بفرصة التملى بطلعته البهية و نيل شرف الحضرة السنية من خلال جلسة حوار إفتراضية على الشبكة الأخطبوطية (هى عنكبوتية عند الخواجات بس فى بلاد العرب لها دراعات فيها مجسات تراك و ساعة الجد تجيبك من قفاك) ..

طبعا إستبشرت خيرا و قلت هاقد فرجت من وسع .. ده كده ولا إكتشاف فيلم قديم لإسماعيل ياسين ماحدش شافو قبل كده .. هوه فيه أخف و لا ألطف من دم دلوعة الباب العالى الغالى بن الغالى .. و عنها و رحت رامى المشبك و أخدت نفس عميق من وصلة الشيشة الأربعة حجر فى الثانية اللى الواد بعرة صبى القهوة اللى عالناصية معديهالى من ورا معلمه .. و بدأت أحلم ببحور الحكمة اللى هيفيض بيها علينا تاج العارفين بالليبرالية و اللى هنفضل نبلبط فيها سنتين قدام .. و مع توالى الأنفاس كبس على عينى النعاس و أنا متبت على اللى فى إيدى ..

معرفش رحت فى النوم و ألا الحجر كان مغمس .. و معرفش إن كنت فقت و ألا لسه مسطول و بهيس .. المهم لقيت حالى كأنى فى صندوق مقفول .. قلت يا ليلة بلاك .. شكل الواد بعرة كبس الحجر بتعميرة مضروبة و هالبت أنا رحت فى غيبوبة و شكلهم جابولى الحكيم إياه راح ماضيلى شهادة وفاة و عنها و عبونى فى تابوت و حملونى فى بيجو تحت الطلب..

لسه هاخبط و أدبدب لقيت لمبة حمرة فوق دماغى نورت .. الظاهر دى خشبة حديثة فيها سينسور للحركة.. أنا قلت كده فى عقل بالى بس اللى حصل إن الخشبة هوب إتقلبت زى عربية الزبالة و لقيت نفسى بتزحلق من آخرها و بنزل على كرسى كاوتش منفوخ!! .. لأه بقى دى مش خشبة حانوتى دى و ألا همه ميكنوا الدفن و بقوا بيعملوا للبنى آدمين سكراب زى العربيات؟.. ياوقعة طين ده كده أبقى داخل على المكبس عدل ..

المهم على ماعينى إتعودت عالضلمة كنت حاسس الكرسى ماشى بيه و بسمع كل دقيقة و التانية هبدة أكن حاجة بتترمى من فوق و لما بديت أشوف لقيت بنى آدمين مرصصين فى كراسى على سير ماشى على فين ماعرفش .. صحيح كانو ساكتين بس ماكانوش أموات.. يعنى مش معقول يكونوا غلطانين فى كل دول و أكيد إحنا مش رايحين على المكبس .. طيب نبقى رايحين على فين ؟

حاولت أسأل اللى قدامى ماردش جربت أتلوح و أسأل الأخ اللى ورايا برضه ماعبرش بس مافضلتش فى حيرتى كتير لأن شوية و لقيت السير بيخرج بينا فى فسحة كبيرة زى ماتكون الصالة المغطاة فى الإستاد و الناس مرصوصة فى مدرجات و الكراسى ماشية بيهم .. دقيقة و السير وقف .. حبيت أقوم من مكانى مقدرتش لأنى كنت محشور فى الكرسى .. و فجأة و أنا بفلفص سمعت صوت صفارة زى بتاعة القطر فى دعاء الكروان و قدام منى ماسورة بتطلع من الأرض لغاية ما بقت قدام وشى .. و زيها قدام كل واحد من اللى حواليه ماسورة آخرها زى الحنفية أول مابقت قدام وشه مد بقه على بوزها..

قعدت أبحلق فيهم و أبص على الحنفية اللى قدامى مستنى أشوف إيه هايحصل بس شوية و راحوا ساحبين إبقاقهم و همه بيتنهدوا .. و سمعت صوت واحد من آخر الصف بيزعق :”حرام عليكم يا ظلمة .. كل يوم تخنصروا من الخمس دقايق بتوع التغذية .. من يوم ما المخروبة دى مسكها مدير مصرى و هو بيلهف الأكل بتاعنا فى كرشة .. فين أيامك يا مالهوترا…..” .. و قبل مايكمل كلامك إذا بحاجة زى الخطاف نازلة منين ماعرفش قفشته من قفاه و هوه بيرفس و زو طارت من فوق دماغنا و الناس باصه كأنها عصفورة طايرة.. و قبل ما أسأل لقيت واحد زعق “الأكل جه” و عنها و كله حط بوزه على الحنفية اللى قدامه ..

بصيت قدامى لقيت الحنفية بتجيب حاجة مزلبطة و صفرة زى ترجيع الواد دودو لما كان عيان .. حاجة تقلب المعدة .. و العالم المغفاين دول نازلين بلبعة فى الهباب ده إزاى ؟ .. دقيقة و الحنفية بطلت و الجماعة نازلين شفط بيحاولوا يجيبوا أى حاجة فاضلة بس ما أخدوش راحتهم لأن المواسير بدأت تنزل فى الأرض تانى و السير بتاع الكراسى بدأ هوه كمان يتحرك .. و واحد ورايا بيقول :”عالم معندهمش دم .. سايب النعمة تتدلدق على الأرض؟”..

بصراحة ماعبرتوش .. أول هام لأنى معرفتش أشوفه .. و تانى هام السير كان داخل بينا فى سرداب جديد.. بس ده ماكانش ضلمة لأن كله مواسير قزاز نازلة من السقف و طالعة من الأرض و كلها منورة أحمر و أخضر و أزرق .. أنا قلت شكلهم غدونا و دلوقت بيفسحونا ..

شوية و السير وقف تانى و فى لحظتها حسيت بسيخ معدن بيندب فى ضهرى معرفش دخل منين .. ياولاد ال تييت!! .. هوه فيه إيه؟.. الموضوع بدأ يتطور بسرعة .. خطاف معدن قفل فى حلقة حوالين رقبتى و من فوق نزلت طاسة بتلمع عشقت مع الحلقة و بقت دماغى متعبية فيها و عنها و حسيت كأن شاكوش هبدنى فى دماغى و كأن جسمى كله ولع نار .. طيب لو دى جهنم مش كنا إترمينا فى الفرن و خلاص؟.. و ألا كل واحد بيروح على جهنم متفصلة حسب خبراته فى الحياة؟ .. يعنى إحنا جهنم بتاعتنا كلها تكنولوجيا حديثة؟.. أنا مش عايز تكنولوجيا و موافق أروح مع الحاج أبو لهب فى الحفرة اللى متلقح فيها..

العملية ماطولتش و كأن جسمى أخد على الموضوع و مبقتش حاسس بحاجة غير تنميل .. و حسيت كأنى طاير فى فراغ و ناس كتير حوالية طايرة فى كل إتجاه بيمروا من جنبى بسرعة كأنى راكب صاروخ و معدى فى وسطيهم لغاية ما واحد منهم وقف قدامى وشه فى وشى .. كان مبحلق فيه بس ولا كأنه شايفنى.. حاولت أقوله حاجة بس كأن صوتى كان رايح لكن هو كان بيقول حاجة..

-          مونيكا؟؟.. مونيكا؟؟

-          ييس دارلينج..

دى بقى البت مونيكا اللى بينده عليها؟ .. مزة أمريكانى إتحدفت علينا و لزقت وشها فى وشى هى كمان.. بس برضك ولا كأنها شايفانى .. الغريبة إن الإتنين كانوا بصينلى و كأنهم بصين لبعض!!

-          هاى هوسنى .. هاو آر يو؟

-          آم فاين مونى .. برآى ميس يو سو.. (لا مؤاخذة السب تايتلز نازلة المشهد الجاى)..

-          إنت كنت فين هوسنى

-          سورى دارلنج .. بس داد كان زعلان كتير.. و قاللى كلام وحش كتير عنك مونى .. أنا مش مصدق منه حاجة .. أنا عارف كلاب الإس إس بتوعه لازم يطللعوا كل يوم حاجة جديدة عشان يفتكر إنهم قال إيه شغاللين بجد..

فى اللحظة دى كان فيه واحد جديد لزق من وراهم همه الإتنين بس ماحدش فيهم حس بيه!!

-          الإس إس قالوا إيه عنى ؟

-          تصورى مونى بيقولوا إنك مصرية ثيرد جينيراشن مش أمريكانية أصلى و إنك عضوة فى منظمة هيومان رايتس و على إتصال بالعيال الخونة اللى واخدين لجوء سياسى عندكو فى أميريكا و قاعدين يشتموا فى داد و جدو جيمى..

البت مونيكا وشها إصفر و الأخ اللازق وراهم عينيه برقت و إبتسم إبتسامة صفرا..

-          هوسنى دارلينج .. اللى لازم تعرفه إنى بحبك .. حتى لو كان الكلام ده صحيح..

-          أوه مونى .. مش عايز أسمع .. إنتى بنت فلاحة ..

-          فلاحة؟.. فلاحين إنقرضوا هوسنى .. مفيش فلاحين..

-          مصريين .. إسمهم فلاحين .. همه صحيح مش بيزرع و يقلع لأن كل كل أرض دلوقت ملك أولاد أونكل زيزو الكبير بس برضه إسمهم فلاحين ..

-          بس أنا موم و جرانى أمريكان هوسنى ..

-          أوه .. إذا كان كده أو كى .. بس إيه حكاية هيومان رايتس دى و بتطالبى بحقوق رعاع مصريين .. همه هيومان عشان يبقى ليهم رايتس؟؟

-          لأ هوسنى .. إحنا رفعنا قضية عشان نلغى الحكم بتاع السوبريم كورت عندنا اللى قال إن جمعيات أنيمالز رايتس مش مختصين بشئون مصريين ..

-          و لو .. إنتى مش هيومان رايتس؟

-          ما إحنا لما ناخد حكم دى هانرفع قضية تانى و نقدم إثبات إن مصريين هيومانز ..

-          ده مستحيل مونى .. لو ده حصل يبقى جدو جيمى و داد ممكن يشحتو لأن ساعتها مش ينفع نأجر مصريين لشركات أمريكية ..

-          إنت عارف هوسنى إن إنترناشيونال لو بيمنع إستخدام إنتليجنت كريتشرز آز بيوتيك شيبس..

بيوتك شيبس؟؟ .. يانهار مدوحس؟؟.. الفيلم ده دخل من ماتريكس على جونى نيمونك .. هى ليلة أفلام كيانو ريفز .. طب مالو سبيد .. أنا بحب ساندرا بولوك أمريكاز سويت هارت .. أنا مش عايز البت المعضمة المستقوية بتاعة ماتريكس ..

-          المحكمة الدستورى قال مصريين درجة تالتة موش إنتليجنت كريتشرز..

-          لأ هوسنى إحنا لقينا واحد مصرى درجة تالتة و قدرنا نخليه يقول ماما و بابا بعد تدريب لمدة 10 سنين بس و لما نقدمه لسوبريم كورت هتحكم إنه إنتليجنت كريتشر .. يعنى بعد ما تحكم الأول إنه ليفينج ثينج..

-          أنا موش مصدق مونى..

-          آى سوير باى فرانكلينز بيك أون زا هولى وان هندرد بيل..

-          نو مونى لو صادقة كونتى حلفتى على الورقة أم ألف .. على العموم لو حقيقى خلينى أعمل معاه لايف تشات ..

-          أو كى هوسنى آى ويل كونتاكت أور بيبول أند أرينج فور إت ..

البت الأمريكانية الهابلة فصلت من هنا و الحاج اللى لازق ورا راح مبلغ تمام و عنها و لقيت واحد بيلزق الخالق الناطق طوييييل العمر بس زى اللقطة اللى طلع فيها فى فيلم شادية و كمال الشناوى يعنى ورور عالآخر .. أقولك الحق أنا إتاخدت و مافوقتش إلا لما لقيتهم بيتكلموا..

-          إكسلنت هوسنى .. ده برضه عشمى فيك ..

-          بس داد .. همه هيعملوا إيه فى مونى ..

-          البت دى لازم تنساها تماما .. مستر جيتس ذا ثيرد ويل تيك كير أوف هير.. إنت لازم تبص لمستقبلك .. إنت عارف إن جراندبا خلاص عمل عملية الريجينيراشن و نجحت .. يعنى لا أنا و لا إنت ممكن نفكر فى الكرسى..

-          بت داد .. هوه قال إنه لما يحتفل بالمئوية هيديلك الكرسى ..

-          أنا أعرف جراندبا أحسن منك .. و صحيح أنا إبنه الوحيد و جابنى بعد ماطلع عينه.. بس الكرسى أغلى عنده منى.. و على العموم أنا مايهمنيش الكرسى ده .. منصبى فى جوجول أهم بكتير من إنى أكون مقاول بيوتك سلافز فى العالم التالت .. إنت كمان مستر جيتس محضرلك مكان فى ميكرو سوفت مكافأة ليك على اللى عملته النهاردة.. خلاص حضر نفسك لحياتك الجديدة .. أنا عندى شغل دلوقت .. إبقى خلينى أشوفك …

طويل العمر خلع .. يعنى هو مش معقول يكون ذات نفس الشخص بس هوه يشبهله.. الواد هوسنى برضه خلع و فضل الجدع اللى ماحدش كان شايفه بس جاله واحد تانى و لزق ..

-          تمام يافندم.. زى ماحضرتك شفت كل شيئ مشى تحت السيطرة..

-          تمام يا ميمى المهم الكلين أب.. موش عايزين أى أثر للمعلومات ..

-          إطمن يافندم .. أى وصلات بشرية هيتم التخلص منها ..

-          عايزهم فى الإسكراب قبل ساعة من دلوقت ..

-          أكيد يا فندم

سكراب ؟؟ يعنى آخرتها سكراب برضه .. يا ولاد التيت .. يا تييييييت تيييييت..

قعدت أفلفص و أنا بألعن سنسفيل جدود اللى خلفوهم لغاية ما دب لقيت نفسى بخبط فى الأرض .. ببص حوالية لقيتنى وقعت من عالكنبة و اللى مايزال فى قبضة يدى.. و لقيت المدام داخلة بتسألنى .. ” اللقاء إبتدا .. أخلى العيال يسيبولك الكومبيوتر؟”

-          هه؟؟.. لأ خليهم يلعبوا .. أنا شفت الفيلم ده قبل كده ..

Older Posts »